في احد المواسم الزراعية انتشرت زراعة الخيار بشكل كبير جدا حتى لم يتبق احد من المزارعين إلا وقد زرع هذه النبتة، وقد تهافت الجميع على ذلك لسريان إشاعات ودعايات عن قدرة الخيار على مقاومة الصقيع والامراض والحشرات ولكن كانت الاشاعة التي احدثت التحول الجوهري في توجهات (طبقة) المزارعين تلك التي تتحدث عن رعاية الحكومة لموسم الخيار!!
كان (الختيار) خلف من قدامى المزارعين كعادته وبكل حكمة يقرأ المشهد الزراعي وتوجهات الموسم وقرر بخلاف الجميع زراعة البندورة فسأله رفيق دربه وذراعه الايمن في الحقل الحراث (ابو محمد) عن السبب فأجابه إن ما يحصل هو خطأ استراتيجي سيجعل اسعار الخضار ترتفع بشكل جنوني وأما الخيار فسيبقى بأرضه باعتبار ان كلفة جمعه وتوريده للاسواق ستكون أعلى من عائد البيع وفق نظريات العرض والطلب..
تشبث المزارع المخضرم بوجهة نظره وكان يدعمه في ذلك تاريخ حافل من الخبرة ومعاصرة مواسم وتغيرات كبيرة في الانماط المناخية لكن ما كان ذلك ليدوم لأن خلف بدأ يتأثر بالدعاية والاشاعات السارية في مجتمعه المحلي والزراعي لدرجة انه كان يشاهد القلق في عيون أبنائه على الموسم أما زوجته فعلى غير العادة بدأت تصوم كل اثنين وخميس وتصلي النوافل وتضع (مرطبانات ) الزجاج في كل مكان بالمنزل فهي لا تناقش ولكن تجأر الى الله بالدعاء ان ييسر لزوجها خلف سبل الهداية!!
في الايام الاخيرة كان خلف غير واثق من قراره بزراعة البندورة لا سيما ان بقية المزارعين كانوا ينظرون اليه بعين الشفقة وربما الشماتة لما سيؤول اليه مصيره المحتوم وبدأ خلف بسلسلة من المراجعات للذات والارقام وفتح الدفاتر القديمة لاجراء حسابات أكثر دقة لما قد سيؤول اليه الحال فيما لو كانت توجهاته لا تتفق ومعايير الواقع وبقي مترددا حتى زيارة احد اكبر تجار الخضار في العالم ( جون ) الذي بدأ بالتعاقد مع المزارعين لشراء الخيار..
على عجل اتصل خلف بالرفيق ابو محمد وابلغه بضرورة الاستعداد لتغيير منتج الموسم والغاء فكرة البندورة السخيفة واتصل على زوجته ليبلغها بالقرار وقال لها ( احكي للاولاد قرر الختيار المشي مع التيار وزراعة الخيار ).. فعمت الفرحة الدار وجاء المهنئون من المزارعين الاصدقاء القلقين على مستقبل خلف وانفجر الحساد منهم على التوجهات الجديدة وبالنتيجة كان الموسم أسوأ موسما في تاريخ المزارعين الذين لجأوا للاقتراض لأن عقد جون اشتمل على شرط سعر السوق..
( المشي مع التيار ) ليس بالضرورة ان يكون صيبا نافعا فعادة ما يكتنفه الهلاك والزوال والضرر الجسيم اذا لم يوجد ما يخالفه او هو بديل عنه ولا يرد القول بلزوم اتباع ما هم عليه عموم الناس حيث ان الاجماع معناه انه (لم يفكر احد) اما التأثر بما يسيل من اشاعات ودعايات فهو بكل تأكيد مدعاة لضلالة الفكر مؤداها العجز عن القدرة على التقييم الصحيح للواقع اما ما يروج في المجتمع من افكار مستحدثة مستوردة فلطالما كانت ولا تزال على حساب الوطن كل الوطن..
في بعض الاحيان يجب ان يكون القرار الوطني منبثقا من حالة عناد ومخالفة وعدم اذعان لكل التوجهات السائدة لا سيما الشعبية متى ما كانت ترزح تحت وطأة التضليل ومناكفة التوجهات الاقليمية متى ما كانت ترزح تحت وطاة نظريات الحلقة الاضعف ووهم البديل الاردني لتحسين الموقف التفاوضي اما المشي مع ( التيار ) والباس الوطن ثوباً يزعم المدنية مثلا يحتاج لفتح الدفاتر القديمة وتحليلها خصوصا اذا ما شابها تمريرات غير بريئة لصالح جون على حساب خلف مثلا.. نقول مثلا!!