نحن وسط حالة من نفاذ الأعصاب حتى درجة ما قبل الغليان. الدّرجة الحرجة التي بمجرّد أن تَحرَّك الإناء الذي يحوينا أو تزيد درجة حرارته عُشر درجة، فإنّ ذرّاته ستتضارب تتلاطم تتقافز من الإناء, وسط سحب من بخار أو سخام ودغام، كلّ أناء بما فيه.. ينضح.
جُلُّنا في هذا الأوان صامتون صمٌّ بكمٌ لا نتكلّمون!. لكن، في دواخلنا، نحن شاغلون منشغلون محروقون فائرون عُصابيّون وسط دوّامة كبرى دوّيخة من داخلنا وخارجنا. لا يتحمّل الفرد منّا الآخر إذا عطس على بعد فرسخ. لا نتحمّل نّسمة همسة لمسة لا حرفا و لا كلمة.
الأوضاع صعبة وتزداد: أقساط المنزل ومدارس القراريط الصّغار وفاتورة الكهرباء عُشاريّة الأسطر والمياه والمجاري والوقود ومخالفات سير بلا.. سير وأكوام من مصائب مصاعب تتشكَّل من حولك. تلطم تنوح تجوح حتّى تخور قواك ف... تهمد. تغفو على قفص صدري حزين، قفص بلا شحم بلا لحمٍ تقبع داخل زنزانته نتف من قلبك والكلى والطحال والكثير من الكلام.
أنت في مركبتك (كارّتِك) وسط انشغال بالك!! تفاجأ بغليظ/غليظة وما أكثر الغلظاء حين تعدّهم، يمتطي مركبة في حجم «هسهسة» عليها بوق شاحنة بحجم صحن لاقط (دشّ) أو مقلاة فلافل تطعم مدينة بحجم عمّان. مخلوق يختلف عن بقيّة المخاليق بستة أصابع في كلّ يد وقدم. الإصبع الزّائد أغلظهم (مرزبّة)مخصّصة لضرب رفس كبسة بوق مركبته...هَيك!! بلا سبب بلا (إحم ولا دستور). يهتك ستر العباد المرضى والغافين والسائقين الآخرين الغلابا الصامتين وسط أزمة سير تضغط على ضروسهم!
يزعق ينعق بصوتٍ صاعقٍ ماحقٍ في صرصور قعر أمّ طبلة أذنيك, يصمّها يطرمها يهزّ بدنك, لتنقلب إذا لم تضربك ذبحة صدرية جلطة قلبيّة تروح فيها، من النّقطة الحرجة إلى نقطة الغليان نقطة الإنصهار الإنهيار.
البعض من السائقين أو المارّة ينهار يغلي ينهري، يتصرصع يبكي يلطم يشتم ينوح. منهم من لا يتحمّل/تتحمّل فيغمى عليه، ومنهم من ينفلق فينفتق عن وحش أخضر كاسرٍ دايناصورٍ تنّينٍ هائجً ينقضّ على صاحب البوق ليدقّ عنقه ولا إثم عليه، فليس على المفتوق ولا على المجنون حرج. منهم من ينبطح على الطّريق يدقّها بقدميه ينوح ويجوح, ومنهم من يفقد النّطق و الإدراك فيتوه في الطّرقات سداح مداح تلاحقه عفاريت الحيّ, أطفاله بالحجارة ليخرجوه عمّا بقّي لديه من عقل.(ألزامور...لايلبق النا)نقطة أوّل السّطر.
الزامور لا (يليق بنا، لا يلبق النا) لأنّنا نسيئ استعماله، لا نحتاجه. أراهن ببوق مركبتي أنّ أحداً يستطيع ذكر منفعة واحدة خلافاً:للاستعراض للنداء على حبيبة زوجة رفيق يقطن في عاشر دور في منتصف ليل (بهيم)، أو في طابور مركبات لإشهار(فضيحة)عرس طهور تخريج من حضانة أو ثانوي. جوقة جهنّميّة من أبواق تنعق تقضّ مضاجع العشيرة, تعطّل السير(المعطّل)وتتلف الأعصاب و...سمعان غايب. مراهق/مراهقة أتلفناه دلالا, يتسلّى بنعيق زعيق زاموره...هكذا...نحن هنا شوفيني يا...سوسو. وآخر «مصرصع» ملول في انتظار إشارة مرور خضراء أن تومض يستعجلها ببوقه وأمامه طابور من مركبات حزانى منتظمين يلكزهم بزاموره أو (يَفشُق) عنهم.(أمم الأرض المتحضّرة ولسنا أقل منها, لن تسمع نعيق بوق واحد في شوارعها) !!
طالما (ليس) في واردنا السّيطرة علي هذه الظّاهرة ولا أن نعاقب من يسيء استعمالها؛ فلماذا لا...نُعطّلها كتجربة أولى. لا تُمنَح المركبة ترخيصا إن كان فيها بوقا فعّالا يصرخ. جرّبوا ذلك, نخرس الأبواق تلغيها كما نلغي كلّ موضوع نعجز عن حلّ مشكلته و...لن تندموا. سنتأقلم مع صمتها كما نتأقلم مع مصائبنا, لا نبحث عن حلول لها ألّا أذا وقعت الواقعة, أسئلوا السيل أن كنتم لا تعلمون؟! كلّ يدير مدفعه تجاه الآخر, ولن نجد حلا. لن تجد فردا (عاقلًا)يحتجّ على كتم أصواتها سوى المتذمّرين المتزمّرين كعادتهم في كلّ تغيير أو إصلاح...يصطفلوا. هم مزمّرون...مزمّرون!!.
ارحمونا يرحمكم الله. إمنعوا أبواق المركبات. لكن أبقوا على أبواق مركبات النّقل التّجاري في الصّحارى، حيث تَزمُر لـ «بهيم» هائم كي يبتعد عن خطّ سيرها, حتّى البهائم ستنزعج ستحتجّ...أجلّكم الله.