بعد «المحادثات» غير المسبوقة في أبعادها ودلالاتها التي أجراها زلماي خليل زاد، الذي يحمل الآن صفة «المبعوث الأميركي للمصالحة الأفغانية، مع ممثلي حركة طالبان الأفغانية في العاصمة القطرية الدوحة، حيث «كان» تمّ افتتاح مكتب للحركة بناء على طلب أميركي «سابِق» قدمته إدارة اوباما، ما لبثت إدارة ترمب أن رأت فيه دعماً للإرهاب، جاء إعلان الرئيس ترمب نِيّته زيارة قواته في العراق وافغانستان، مثابة اعتراف بفشل الاجتياح الأميركي لكل من العراق وقبلَه أفغانستان، التي تخوض فيها الولايات المتحدة أطول حروبها في التاريخ، وأنه وصل إلى نهايته وأن الإقرار بالهزيمة الأميركية الأسوأ بعد حرب فيتنام في افغانستان... باتت مسألة وقت، وخصوصاً أن جهود الإدارة الأميركية مُكرّسة الآن للبحث عن صيغة تحفظ ماء وجه أميركا، التي تجد صعوبة في تمرير سرديتها المتهافِتة حول حربها على الإرهاب، ومطاردتِها حركة طالبان، التي أوجدت ملاذاً آمناً ووفّرت حكومتها الدعم الكافي لتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، كي يجرؤ على المسّ بأميركا واختراق أمنها، على النحو الذي تم في الحادي عشر من أيلول 2001 ، ما أفسح المجال أمام دمية المحافظين الجدد جورج بوش الإبن، لتطبيق المبدأ الذي أقرّه متشددو البيت الأبيض، بزعم نشر الديمقراطية وتقسيم دول المعمورة إلى مُعسكرَين: أحدهما للأخيار والثاني للأشرار، وليُعلِن هؤلاء بصلف وغِلظة: أن مَن ليس مَعنا... فهو ضدنا.
ما تزال الذاكرة تحتفظ بأقوال قائد أحد أسراب الطيران الأميركي بعد بدء الغزو لأفغانستان في السابع من تشرين الأول 2001، عندما قال في غطرسة: لم يعد ثمة هدف في هذه البلاد نقصفه، بعد أن دمّرنا كل ما رأيناه بأعيننا من منشآت وقواعد وأكواخ وطرق. كما تحضر الآن أراء ترمب نفسه في الغَزوَين الأميركيين لكل من أفغانستان والعراق، إذ قال رداً على سؤال: لماذا لم يتفقّد القوات الأميركية في هذين البلدين؟: لا أريد توريط نفسي بهاتين الحربَين الفاشِلَتين، واصِفاً أياهما بأنهما «العار التام»، مُعتبِراً على وجه الخصوص»أن غزو العراق خطأ فادِح، ما كان عليه أن يحدُث أبداً».
وإذ تبدو أقوال ترمب في ضوء سياساته العدوانية في سوريا والعراق، مُتناقِضة مع تلك القناعات التي يريد بثّها في طريقه إلى المفاوضات، التي بدأها مبعوثه مع حركة طالبان. حيث «الحركة» ما تزال مُصنّفة أميركياً على أنها إرهابية, وأنها ما تزال تحتضِن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري وتوفر الحماية له، فضلاً عن تأكيد ترمب وأركان إدارته أن «قواتهم» باقية في كل من العراق وخصوصاً سوريا، بذريعة منع ايران من استكمال طريق طهران بيروت المار بكل من بغداد ودمشق، وتحديداً في ما خص ربط الانسحاب العسكري الأميركي من الأراضي السورية بــ»بدء عملية سياسية ذات مصداقية (...)»، والتي تعني في نظرهم إطاحة الرئيس السوري، عبر «انتخابات» معروفة النتائج سلفاً ولتمكين أدواتِهم في ما تبقّى من مُعارَضات، من ايجاد موطئ قدم في سوريا بعد فشل الرهان الغربي والعربي على ثورتهم المزعومة، فإن ما كشفته تصريحات خليل زاد من مُعطيات وتفاؤُل تدفع للإعتقاد أن ادارة ترمب في عجَلة من أمرها، وتريد تحقيق»إنجاز»ولو إعلامي، عبر القول: أن ترمب قد أوفى بوعد آخر له، وهو سحب جيوشه من أفغانستان. ولهذا كانت مُفاجِئة توقّعات خليل زاد المتفائِلة بعقد»صفقة»سلام مع حركة طالبان قبل نيسان المقبل. (الموعد المُحتمَل للانتخابات الرئاسية في ذلك البلد المنكوب). بل أن المبعوث الأميركي لم يتردّد في الايحاء بثقة، بأن إمكانِية الوصول»الى اتفاق سلام بين طالبان والحكومة الأفغانية، أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
« فهل ثمة... ميدانياً وعبر المفاوضات الأميركية مع طالبان، ما يدعم ذلك؟.
تبدو طالبان في وضع أفضل بكثير مما هي عليه حكومة أشرف غني، التي تُظهِر عجزاً مُزمِناً وتُلِحق بها هجمات طالبان المزيد من الهشاشة وانعدام الفاعلية، وظهورها بأنها لا تُسيطر حتى على معظم أحياء العاصمة كابل، ما بالك غالبية الاقاليم التي تبسط طالبان سيطرتها عليها – فضلاً عن العزلة التي كانت عليها في لقاء موسكو الذي عُقد قبل أسبوعين (9/11) وحضره ممثلون عن كل من طالبان وحكومة غني وآخرون من «12» دولة، بدا فيه ممثلو كابل في وضع لا يُحسدون عليه، عندما أصرّ «ممثلا» طالبان على عدم التفاوض مع ممثلي الحكومة الأفغانية مباشرةً لأنهم»لا يرَونها حكومة شرعية»، ما دفع هؤلاء للتصويب على المُضيف الروسي، مُتّهِمين أياه بدعم حركة طالبان، ومحاولة خطف الأضواء بمنح الشرعية لطالبان، ولإثبات تأثير موسكو على الحركة، أكثر من كونه معني بتحقيق سلام حقيقي»بل ذهب ممثلو حكومة غني بعيداً في الدعوة إلى»أن تكون المباحثات مع طالبان، تحت اشرافها هي (كابل) وليس بإشراف أجنبي»، غامِزين من قناة موسكو «المُتّهَمة» بدعم طالبان.
لا تبدو واشنطن معنية بمواقف حكومة كابل أو تأبه بها، مُدركة بأن هزيمة طالبان لم تعد واردة، وأن الوقت قد حان للانسحاب بسرعة من المستنقع الافغاني، بعد ان لم تستخلِص دروس وعِبر الغزو السوفياتي الذي أسهمت واشنطن وبعض العرب في تأجيجه عبر دعم من وُصِفوا بـ»المجاهدين». لكن المأزق الأميركي الراهن والممتد سبعة عشر عاماً، كان أعمق وأكثر كُلفة من ذلك السوفياتي، الذي تسبّب ضمن أمور أخرى، في تفكّك الاتحاد السوفياتي..
موسكو (الحالية) بدورها تُدرك أن الإعلان عن هزيمة أميركا في أفغانستان باتت مسألة وقت، ولهذا وهي تُجاهر بمعارضتها بقاء الجيوش الأميركية على الأراضي الأفغانية، تبذل جهوداً مضاعفة لإنضاج ظروف مناسبة، تسمح بمواصلة المفاوضات بين الأطراف ذات الصلة بالمسألة الأفغانية بمن فيهم طالبان وحكومة كابل، وبخاصة بعد أن نشأت معادلات وتحالفات واصطفافات جديدة في المنطقة، غدت فيه – على سبيل المِثال – باكستان في المعسكر المقابِل لواشنطن، فيما تبدو الهند أقرب جداً الى الولايات المتحدة وداعمة بلا تحفظ لحكومة كابل، ناهيك عن دَوْرَيّ كل من ايران والصين، في التأثير ومراقبة ما يجري عن كثب، والاستعداد المقرون بممارسات ميدانية لمواجهة المخططات الأميركية. التي هي في جزء منها تستهدِف بثّ الاضطرابات ودعم حركات التمرّد والإرهاب داخِلهما وعلى تخومهما، كما على تخوم روسيا وجوارها.