عشية احتفال اللبنانيين بمرور 75 عاماً على الإستقلال، شارك وزير الخارجية جبران باسيل في مسيرة إلى موقع تاريخي قرب نهر الكلب يحتوي على آثار ونقوش تذكّرنا بمرور جيوش غازية عديدة من هذا المعبر الاستراتيجي، منذ عهد رمسيس الثاني حتى اليوم.
هذه الآثار تشمل لوحة اعلان الاستقلال الثاني لسوريا ولبنان عام 1941. في هذا الموقع أطلق الوزير باسيل تصريحه الذي استوقفني واستفزني وفتح شهيتي للكتابة في هذا الموضوع. لقد أفرحني الوزير عندما ذكر الجيوش الغازية وبينها الجيش الاسرائيلي، وأنهى حديثه بعبارة: « هم راحوا واحنا بقينا «، ولكن الغريب أنه وضع الجيش السوري في القائمة، أي أنه وضع الجيش السوري والإسرائيلي في سلة واحدة!!
الحقيقة لا أريد الدفاع عن الوجود السوري في لبنان، فأنا أعرف أن له ايجابياته كما له سلبياته وتجاوزاته. هنا أكتفي بالتوضيح أن الدخول الأول للقوات السورية إلى لبنان في العام 1976 حدث بعد زيارة رئيس الجمهورية سليمان فرنجية إلى دمشق، واعلانه بعد عودته، عن «الوثيقة الاصلاحية» أو التي أسماها «الوثيقة الدستورية» لوقف القتال وانهاء الحرب الأهلية، ولكن كل الأطراف المتنازعة رفضتها برمتها، فتدخلت سوريا عسكرياً استجابة لاستغاثة من أحزاب وقوى سياسية مسيحية، بعد تقدم القوات المشتركة باتجاه الجبل، وربما دخل السوريون بتوافق دولي كما ذكر لي العميد ريمون اده في ذلك التاريخ.
بعد ذلك، وبقرار عربي تنفيذاً لقرار قمة الرياض، أصبحت القوات السورية تابعة لقوات الردع العربية، التي انسحبت بعد فشلها في انهاء الحرب الأهلية، وظلت القوات السورية إلى أن تم توقيع اتفاق عام 1990 الذي خوّل الجيش السوري بحماية لبنان من أي تدخل أجنبي.
أما بالنسبة للحديث عن الاستقلال، بجب أن يشمل استقلال لبنان وسوريا ( التوأم ) الذي مرّ بثلاث مراحل، ويرتبط بكفاح مشترك ومصير واحد. بداية تم اعلان الاستقلال من دمشق في 8 آذار 1920 ، في احتفال رسمي في ساحة المرجة اقامه المؤتمر السوري العام بحضور الملك فيصل الأول، حين وقف محمد عزة دروزة على شرفة البلدية وأعلن بيان استقلال «المملكة العربية السورية» مع احتفاظ لبنان بحكم ذاتي، ولكن معاهدة سايكس – بيكو غيرت مجرى التاريخ.
بعدها أعلن الاستقلال السوري اللبناني في العام 1941، ولكن الاستقلال ظل ناقصاً في سوريا ولبنان في ظل حكم الإنتداب الفرنسي، وفي عام 1943 تم اعتقال حكومة الاستقلال وأولهم الرئيس المنتخب بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما في قلعة راشيا، في ذات الوقت دعا وزير الدفاع المير مجيد ارسلان إلى اجتماع في بلدة بشامون وأعلن المجتمعون استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني عام 1943، ورفعوا العلم الوطني اللبناني بدل علم الانتداب ( العلم الفرنسي تتوسطه ارزة)، ولكن الاستقلال اللبناني – السوري لم يكتمل إلا في المرحلة الثالثة وأعني الجلاء الفرنسي في العام 1946.
اليوم يحتفل اللبنانيون، ولكن الفرحة ناقصة لأن لبنان يمر بظروف اقتصادية سياسية اجتماعية صعبة، وهو ما زال ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية، رغم استقلاله قبل 75 عاماً، وأعتقد أن مشكلة لبنان الأهم هي المحاصصة الطائفية وتقاسم السلطة بين القوى المذهبية التي أصبحت أقوى من الدولة وتعيق الاصلاح الذي لم ولن يتم إلا بفصل الدين عن الدولة، وهذا الحل يحتاج إلى معجزة.
m.yousefkawash@gmail.com
مسيرة الاستقلال.. من سوريا إلى لبنان !!
11:00 21-11-2018
آخر تعديل :
الأربعاء