كتاب

عن «نِمرٍ بِلا أنيابٍ أو أسنان» اسمُه... «الاتّحاد الأوروبِيّ»؟

قيل في وصف الاتحاد الاوروبي انه:عِملاق اقتصادي وقزَم سياسِي، وانه بمثابة «دفتر شيكات» تحتاجه الولايات المتحدة الأميركية وأذرعها الإستخبارية وماكينتها الدبلوماسية في المنعطفات السياسية,وخصوصاً تلك «الحرائق» وبؤر التوتر الاقليمية او الدولية, التي يمكن التوصل الى حلول دائِمة او مُؤقتة لها لكنه (الاتحاد الاوروبي) لا يرقى – كما هي حاله اليوم – الى مستوى النِديّة اوالقدرة على رفض مواصَلة التبعِية المُطلقة لسياسات ومصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية الكونية,في حال قرّر الخروج على طاعة واشنطن او الاحتجاج على سياساتها التي لا تأخذ في الاعتبار,حاجة ومصالح اولئك الذين بدأ الوَهن والتصدّع يضرب كيانهم «الشائخ»،والذي وبعد ستة عقود مِن بروز صيغته «المتواضِعة» الأُولى,والتي حملَت اسم «السوق الاوروبية المشتركة»,قبل ان يتبلّوَر في النهاية كيافطة تقول انه «الاتحاد الاوروبي»,لم يُبرَهِن امتلاكه القدرة ولا الشجاعة على تحويل رغبته,إنشاء «جيش أُوروبِيّ» يتولّى حماية امن ومصالح سكانه,الذين يزيدون على اربعمئة مليون نسمة.بعد ان استشعر قادته انهم في مواجهة إدارة ورئيس شعبوي,يَروم ابتزازهم مالِيا ويكشف في صلَف ورعونة,عن نظرتِه الفوقية الى الاتحاد الاوروبي وقادته,على انهم مجرد أتباع عليهم دفع ثمن حمايتهِم من قبل الجيوش الاميركية المقيمة على اراضيهم,في شكلِ قواعد عسكرية جوِّية واخرى بحرِية وثالثة برِّية,تحت طائلة النبذ والعرقلة والقول الصريح لهم:ان مظلَّتهم العسكرية الوحيدة هي»حِلف شمال الاطلسي»...لا شيء غيرَه أو سِواه.

مناسبة الحديث.. هو ردّ الفعل الاميركي العنيف والمتغطرِس,على دعوة «قُطبَيّ» الاتحاد الاوروبي والأقوى اقتصاديا وسياسيا.. المانيا وفرنسا,تشكيل جيش أوروبي يُمكِّن الدول الاوروبية المنضوية تحت راية الاتحاد(عددها 28 دولة),من حماية مصالح الأوروبيين حال ظهور أزمات كتعبير – وهنا تكمن أهمية اقتراح او دعوة كهذه – عن»إرادة سياسية لحماية المصالح الاوروبية بحزم,حال ظهور أزمة ما»كما قالت وزيرة الدفاع الألمانية اورسولا فون ديرلاين,في معرض دعمِها فكرة إنشاء جيش أُوروبي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون،هو صاحب فكرة تشكيل جيش اوروبي»مستقل»عن الولايات المتحدة,تكون مهمته ضمن أمور أخرى (ضمان الأمن السيبراني,في مواجهة محاولات تجري «حالياً» للتدخّل في «عملياتها» الديمقراطية ومجالها السيبراني) في الوقت ذاته الذي شدّد فيه على ان»الاتحاد الاوروبي يجب ان يُدافِع عن نفسه,ضد الصين وروسيا والولايات المتحدة».

لم يجد ماكرون من يُسانِد فكرته ويشُدّ أزره,سوى المستشارة الألمانية انجيلا ميركل،التي بدأ نجمها ال سياسي بالأُفول,ما اضطرّها إعلان انسحابها من ميدان السياسة بعد سنوات مُقبِلَة معدودات(مع انتهاء وظيفتها الحالية) وأنها لن تُنافِس على رئاسة حزبها في الدورة القادمة,وبخاصة بعد تراجُع شعبيتها,اثر سياسة فتح ابواب الهجرة امام اللاجئين,التي انتهجتها ولاقت انتقادات واسعة من تيارات اليمين العنصري وذلك الشعبوي والفاشي الألماني والأوروبي,ما ادّى الى خسارة حزبها مقاعد وولايات المانية مُؤثِرة,وايضا اعترافها بانها «أخطأت»في فتح أبواب الهِجرِة.

باستثناء ميركل,فإن دعوة ماكرون إنشاء جيش اوروبي,لم تلقَ آذاناً صاغية في معظم عواصم وحكومات الاتحاد الاوروبي,التي تبدو وكأنها باتت اميركية( وليس فقط أطلسية)اكثر من الاميركيين انفسهم,رغم ان تلك العواصم والحكومات كانت قد سمِعَت وعرفَت تهديدات ترمب بانسحاب واشنطن من حلف شمال الاطلسي,إذا لم يدفع الاوروبيون ثمن حمايتهم,ولا يزيدون من موازنتهم الدفاعية,التي تتولى بلاده»وحدها»مسؤولية تمويل اذرعة واساطيل الاطلسي الجوية والبحرية وقواعده البرية ايضا،لكنهم – رافِضو دعوة ماكرون – كانوا قد رضخوا الى تهديدات ترمب وقام بعضهم برفع نسبة إنفاقه العسكري,وإن كان معظمهم لم يستجِب لـ»الرقم» الذي حدّده ترمب,وهو ان تزيد نسبته او تصل الى حدود 4% من الموازنة العامة لهذه الدولة الاطلسية او تلك – بما في ذلك فرنسا...نفسها - .

هنا تكمن نقطة الضعف أو المعضلة الاوروبية,التي راهنت عليها واشنطن بإداراتها الديمقراطية والجمهورية على حد سواء منذ عقود,وهي الاعتماد على وجود «جيب» اميركي مضمون داخل هياكل الاطلسي ودائما في صفوف الاتحاد الاوروبي,حيث قامت «بريطانيا» بهذا الدور على وجه أكمل,فيما هي الآن – واشنطن – وبعد بدء خروج لندن من الاتحاد (البريكست) تعتمد على اكثر من دولة,وبخاصة تلك التي حازَت عضوية الاتحاد بعد انتهاء الحرب الباردة,وهي في معظمها من دُول اوروبا الشرقية التي كانت ذات يوم عضواً في حلف وارسو,وبعضها كان جزءا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق,وبخاصة دول البلطيق الثلاث:لاتفيا، استونيا وليتوانيا.

قد لا يكون ماكرون..» ديغول» المرحلة الراهنة,وربما لا يسعى الى استنساخ تجربة الجنرال الفرنسي الشهير,في «عِدائِه» المُعلَن لدور حلف الاطلسي في ستينيات القرن الماضي,عندما أعلَن انسحاب بلاده من»القيادة العسكرية المُوحّدة للحلف,داعِياً – في حينه – الإعتماد على نظام دِفاعي أوروبي مُستقل،وواصلت بعده فرنسا ابتعادها عن القيادة العسكرية للحلف,الى أن أعادها «الديغولي المُزيّف والمُتأمرِك»...ساركوزي رسمِيا في ولايته الرئاسية الاولى واليتيمة,إلاّ انه – ماكرون – وقد خاض هذه التجربة,التي نحسب ان الفشل سيكون نصيبها,بعد ان خذلَه شركاؤه الأوروبيون المتأمركون في معظمهم،قد لا يُصيب نجاحا ايضا في محاولَته الأهَمّ الرامية لـ»التمرّد» على تبِعات قرار ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران,وتلويح دول الاتحاد الاوروبي الباقية في الاتفاق بإنشاء آلية «مالِية»,تسمح لايران بأخذ عوائد بترولها ومواصَلة تعاقداتها التجارية مع الشركات الاوروبية.وهو ما لوّحت واشنطن بعرقلتِه وإفشالِه.

موجز القول:انه ومنذ المحاولات «الديغولية» الحثيثة للخروج من التبعية الاوروبية,للإملاءات والغطرسة الاميركية,ورغم محاولات ماكرون – وإن كان لا يتمتّع بكاريزمية الجنرال ديغول وحضوره – تحقيق الاهداف ذاتها، فإن اوروبا غير مُرشَّحة للخروج من التبعية الاميركية,كون معظم قادتها في «جيب» واشنطن ورَهن إشاراتها,تماماً كما هي حال المنطقة العربِية.

kharroub@jpf.com.jo