كتاب

مَشهدِيَّة حَفل تَسلُّم المَلِك... «جائزة تِمبِلتون» ودلالاتِها

الاحتفال المهيب الذي رافق تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني جائزة تمبلتون للعام 2018،عكَس ضِمن أُمور اخرى,الأهمية التي توليها دوائر دولية ذات نفوذ وتأثير في المشهد الدولي,لقضايا وملفّات الأُخوّة والوِئام بين بني البشر,وخصوصاً مُحارَبة الإرهاب والتطرّف والغُلو والتعصّب,والأولوية التي تمنحها للدعوة الى سيادة ثقافَة التسامُح ونبذ الكراهية,التي دأبت دُوَل وأنظمة ومُنظمات وتنظيمات,على الترويج لها والإحتفاء,بها على نحو يُعلي من شأن مُقارفات وارتكابات هؤلاء الذين أخذوا على عاتِقهم مهمة تقسيم وفرز البشر والجماعات والأمم على اسس مذهبية وطائفية وعرقية,ولم يتوانوا عن الدعوة الى سفك دماء كل من رأوا انه لا يرقى الى صفاء عِرقهم ومن لا ينتمي الى أَرومَتهم، وكل ذلك بهدف التغطية على سوء نيّاتهم وإخفاءً لمقاصدهم الخبيثة والشريرة,التي هي بالضِد مِن كل ما هو إنساني وأخوِي,ورفضاً لمبادئ الإخاء والمساواة والوئام بين الشعوب والأمم والأديان.

من هنا فإن الاحتفال الذي غلَبَت عليه البساطة ودقة التنظيم والمتابَعة الحثيثة واللافتة لكل التفاصيل,على نحو لم يشعر كل من حضرَه بالوقت الطويل نسبياً (ساعة ونصف) الذي استغرقه،جاء مُنسجِماً مع تقاليد الجائزة العالمية التي يحمل جلالة الملك الرقم 48 بين المُكرّمين,وهم من أديان واختصاصات واهتمامات مُختلِفة,يكاد بل يغيب عنها «السياسي والسياسة»,في تركيز مقصود لذاته وبذاته,بأن تقتصِر على الذين هم في مُقدِمة من يتصدّرون الصفوف على الساحة الدولية,في الدعوة – والممارسة العملية – الى تحقيق الوِئام بين الأديان, ومَن يُسهِمون بإبداع في مجال الأعمال الخيرية والإهتمام بالفكر والفلسفة الدينية، فضلاً عن المُساهَمة في شكل بنّاء عبر وسائل الإعلام,في الحِوارات المُتعلّقة بالدين والقِيَم الإنسانية الإيجابية.

لهذا كُلّه.. جاء منح الجائزة لجلالة الملك, مُسبّباً ومُعلّلاً ومُرتكِزاً على أُسس واضحة,رأى القائمون على الجائزة ان جلالته يستحِق نيلها لهذا العام, نظراً لأسباب عدّدَتها النُخبَة المُتميزة المُولَجة تحديد واعتماد المُرشّح للفوز بها على النحو التالي...أولاً: تقديراً لالتزام جلالته بحماية المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس,ولتوفيره ملاذاً آمناً يكفل حرية العبادة في الاردن.وتقديراً لِمبادرات جلالته المُؤسسية التي أطلقها ويرعاها في إرساء الوئام بين اتباع الاديان.ثانياً: في المبادرات العديدة والمُتعدِّدة التي أطلقَها جلالته في هذا المجال (الوئام بين الاديان),كرِسالة عمان ومبادرة «كلِمة سواء»,وتَبنّي الجمعية العامة للأمم المتحدة نداء مبادرة «اسبوع الوئام العالمي بين الاديان»,التي أطلَقها جلالته شخصياً,فضلاً عن جهوده في الحفاظ على/ وتطوير موقع عماد السيد المسيح (المَغطَس),والذي أعلنَته منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو),موقِعا للتراث العالمي.إضافة بالطبع الى مبادرات جلالته التعليمية,بما في ذلك الوقفِيات التعليمية واستضافة اللاجئين ورعايَتهِم.

حفل يوم الثالث عشر من تشرين الثاني الجاري,كان مُتميِّزاً في فقراتِه والجمهور المُتنوِّع الذي حضرَه,والذي مثّلَ اطيافاً مُختلِفة,اميركية ودولية. اردنية وعربية واسلامِية, وما تخلّله من فواصِل فَنِية وأخرى إعلامية وثالثة سياحِية وإضاءات تحدثت عن الاردن حضارة وثقافة وفنوناً وإنجازات,صاحَبها وبخاصة في حفل الاستقبال الذي تلا الاحتفال الرسمي, والذي كان هو الآخر رشيقا ودَسِماً,خلا من الإطالات والإطناب.وكانت الكلمات مُركّزة وحميمية, تحدّثَت عن أعمال الملك وإنجازاته في مجالات الجائزة التي استحقها عن جدارة,كذلك الإشارات التي حفِلت بها كلمات المُتحدثين الثلاثة,الذين تكلّموا قبل كلمة جلالته,وهم الشيخ حمزة يوسف الفيلسوف وعالم الدين والمثقّف،رئيس كلية الزيتونة في بيركلي/كاليفورنيا,وبروفيسور علم اللاهوت في جامعة ييل ميروسلاف فولف,والأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيرس، حيث أجمَع ثلاثتهم على استحقاق جلالته هذه الجائزة المرموقة وبجدارة,واصِفا (غوتيرس) رسالة عمان بانها «رسالة خير وصداقة وأمل للعالم أجمَع»، فيما أضاء الشيخ حمزة يوسف على جهود جلالته في تعزيز السِلم وبخاصة ـــ والقول للشيخ حمزة – اننا نعيش في عالم موسوم بكثير من اللبس وسوء الفهم, وممزّق بحروب غير شرعية وثورات،أما البروفيسور فولف فأكّد أن «الإنجازات في المجال الديني,التي قادها جلالة الملك عبدالله الثاني,فكثيرة وجليلة».

كلمة جلالة الملك في الختام,جاءَت شامِلة ومُكثفة ومُضيئة على طيف من القضايا والملفات,في تركيز على ما تُمثلِه القدس, كـَ»مسألة أكثر أهمية, بما هي المدينة المقدسة لدى أكثر من نصف سكان العالم,من مسلمين ومسيحيين ويهود.وبخاصة انها بالنسبة للمسلمين أُولى القِبلتين وثالث الحرمين الشريفين مع مكّة والمدينة,ويربط جلالته ـــ كما كل الاردنيين – واجب جليل تجاه القدس الشريف, ضمن الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية فيها».

الامر الذي يتوجَّب على الجميع – كما أكّد على ذلك جلالته – المحافظة على القدس الشريف بتاريخها العريق,المبني على تعدّد الأديان,كمدينة مُقدّسة تجمعنا وكمركز للسلام.لهذا جاء إعلان جلالته تخصيص جزء من قيمة الجائزة,لدعم مشاريع ترميم المُقدّسات في القدس (ومن بينها كنيسة القيامة),مثابة تأكيد إضافي من جلالته على المكانة الخاصة والاولوية التي تحتلها القدس على أجندتِه الشخصِية ، كما وأيضاً في تبرّع جلالته بباقي قيمة الجائزة, لدعم الجهود الإغاثية والإنسانية ومبادرات إرساء الوِئام, بين أتباع المذاهِب والأديان في الأردن وحول العالم، إنسجاماً حدود التماهي بين القول والفعل,الذي يُكرّسه جلالته في المشهدَين....الوطني والدولي على حدٍ سواء.

kharroub@jpf.com.jo