خصّصت صحيفة النيويورك تايمز ، منذ أيام ، عددا خاصا كرّس كله لموضوع واحد هو الكارثة التي حلّت بالعالم العربي خلال السنوات التي أعقبت غزو العراق سنة 2003.. وقد اعترفت الصحيفة بأن العدوان والاحتلال الأميركي/ البريطاني للعراق لم يدمّر نظام حزب البعث العراقي ، بل دمّر الدولة العراقية ، وخلق الظروف المناسبة لولادة داعش وأمثالها من المنظمات الإرهابية ، وقوّض أركان العالم العربي ، وحوّله إلى منطقة ملتهبة ، ومركز تصدير لللاجئين إلى أوروبا ، كما أعطى إشارة الانطلاق لعصر الإرهاب الذي يضرب دول العالم اليوم.
أما نتائج هذا الاحتلال فتقدرها الصحيفة بمقتل مليون ونصف إنسان عراقي مدني ، في حين لم تزد خسائر الأميركيين على 4800 قتيل ، ومن حلفاء العدوان على 3500 قتيل.. أما الكلفة المالية للحرب فقد بلغت تريليون و705 مليارات و 856 مليون دولار. ( لم تذكر الصحيفة من تحمّلها ). وتقدّر خسائر الوطن العربي ، اعتمادا على مصادر اقتصادية موثوقة ، ب 830 مليار دولار ، دون حساب كلفة إصلاح ما دمّر، وما يزال يدمر ، في ليبيا ومصر وسورية والعراق واليمن ، ودون حساب ما استولى عليه ترامب في الشهور الأخيرة من أموال دول الخليج والعراق.
المفجع في الأمر أن الصحيفة الأميركية ترثي لأحوالنا قائلة: العرب يحاربون العرب في اليمن ، ويدمرون اليمن ، والعرب يحاربون العرب في العراق وسورية وليبيا ، ويدمّرون بلادهم بأيديهم ، وكل الدول العربية تنزف وتعاني من التخلف والفساد وسوء الإدارة والبطالة والفقر والجوع... وهذه كلها أدواء مستعصية على الشفاء ، وتتساءل عن مستقبل لهذه الأمة التي أصبحت مكونات اجتماعية تنقسم على أساس الدين أو الطائفة أو المذهب أو العرق....، وتراها غير قابلة للتوحد !!
لقد صعب حالنا على الغرباء ، فما الذي فعلناه نحن بايدينا ، وماذا سنورّث أبناءنا ؟ لقد بددنا ثروة الأمة في الحروب العبثية والفساد ، فكم من المال سنحتاج لإعادة بناء ما دمّر ؟ وكم من السنوات سننتظر حتى يعود الأمن والاستقرار إلى البلاد العربية التي ترزح تحت نير الدكتاتورية والفساد والتبعية والبطالة والفقر ؟
إن ما حدث في بلادنا خلال العقدين الأخيرين حوّل الوطن العربي كله إلى أرض طاردة ، كلّ من عليها يريد الفرار واللجوء إلى بلاد الغرب الكافر.. ومع أن نسبة سكان العالم العربي لا تتجاوز 5 % من سكان العالم ، فإن 60 % من لاجئي العالم هم من العرب ،( دون احتساب الألاف الذين ابتلعهم البحر) ، فاي مفارقة تلك ؟! ومع أن نسبة العرب إلى سكان العالم هي 5 % ، فإن 50 % من تجارة الأسلحة العالمية تورّد إلى العالم العربي ، ومع ذلك جلّ الدول العربية عاجزة عن حماية شعوبها وأراضيها!!
واقع العالم العربي اليوم ، وأوضاع شعوبه ، يصلح أن يكون حالة دراسية نادرة لعلماء السياسة والاقتصاد والاجتماع والأجناس وعلم النفس والمخططين الاستراتيجيين والخبراء العسكريين... وأنا واثق أن ما سيخرجون به سيكون مادة علمية تعتمد في مواقع القرارات الاستراتنيجية والمراكز العلمية والأكاديمية .
qatamisamir@hotmail.com
ما مستقبل هذه الأمة؟
11:00 10-11-2018
آخر تعديل :
السبت