تحضر المقولة/الطُرفة التي جاءت على لسان «الثنائي» السوري الشهير غوار الطوشة (دريد لحام) وحسني البورظان(نهاد قلعي),في المسرحية التي كتبها الراحل محمد الماغوط «كأسك يا وطن»,ندما قال احدهما للآخر في سخرية مُرّة «اذا أردت أن تعرِف ما يجري في بلادنا،عليك أن تعرف ما يجري في البرازيل»،وها هي بالفعل تصدق «جداً»هذه الأيام.إذ ما أن أُعلِن عن فوز النسخة البرازيلية من «الترامبية» الشعبوية,التي جسّدها صعود تاجر العقارات ورمز تلفزيون الواقع والمُنظِّم الشهير لحفلات ملكة جمال العالم دونالد ترمب،حتى سارع جايير بولسونارو للإعلان عن نيته نقل سفارة بلاده في دولة العدو الصهيوني من تل أبيب إلى القدس المحتلة، واصفاً إسرائيل بأنها «..دولة تتمتَّع بالسيادة,وعلينا أن نحترم ذلك».
ولأن السياسي اليميني البرازيلي يعتَنِق ايديولوجيا المسيحيين الإنجيليين،وهو تيار داعم للدولة الصهيونية من منطقات دينية,وعاقِد العزم على تنفيذ التزامه بأن تكون إسرائيل «أول» دولة يزورها,بعد توليه مقاليد الحكم أوائل العام المقبل، فإنه أعلن صراحة عزمه إغلاق السفارة الفلسطينية في بلاده,مُبرّراً ذلك القرار الذي يفيض عدوانية بأن «فلسطين لا تُمثِّل دولة».علماً أنه كان زار دولة الاحتلال قبل شهر من انتخابه وأثناء الحملة الانتخابية الضارية التي خاضها ضد مرشح حزب العمال البرازيلي الذي أسّسه وقاده الرئيس البرازيلي الأسبق القابع في السجن الآن لولا دا سيلفا، الذي حرمَته المحكمة العليا البرازيلية الترشّح بذريعة اتهامه بالفساد،تماماً كما كان تم إقصاء «وريثته» الرئيسة ديلما روسيف عن منصِبها،تلك المرأة الشُجاعة التي اتخذت قراراً غير مسبوق,شكل صفعة مدوية لقادة العدو الصهيوني عندما سحبت سفيرها من تل أبيب,واصِفة عدوان»الجرف الصامد»الذي شنّه جيش الاحتلال على قطاع غزة في العام 2014،بأنه «مَجزرة»,ما دفع الخارجية الصهيونية الى وصف القرار البرازيلي المُنتصر للحق الفلسطيني:بأنه «تجسيد مُؤسِف للسبب الذي يجعل البرازيل، العِملاق الاقتصادي والثقافي،تبقى قزماً دبلوماسياً».
ها هي البرازيل تصبح الآن»عملاقاً» دبلوماسياً في نظر نتنياهو,بعد وصول الانجيلي المتصهين بولسونارو الى الحكم,فيما هو يستعّد لشطب إرث اليسار البرازيلي في مساندته للقضية الفلسطينية,الذي لم يكتفِ (اليسار المُتجسِّد في حكم حزب العمال البرازيلي) بالإعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو القرار الذي سارت على هَديِه أكثر من دولة أميركية لاتينية معترِفَة بالدولة الفلسطينية,بل ورفضت(الرئيسة روسيف)في حزم اعتماد داني ديّان سفيراً لدولة الاحتلال,بسبب دوره والموقِع الذي تولاّه كأمين عام لمجلس المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية.ما أثار غضب نتنياهو وسخطه، ولهذا نراه الآن (نتنياهو) في فرحة وزهو,ترجمهما ببرقية التهنئة الحارّة التي بعث بها الى النسخة البرازيلية من الترامبية,بعد فوزه على مرشح حزب العمال البرازيلي فرناندو حداد,الذي رشَّحه دا سيلفا بعد أن حِيل بين الأخير وخوض الانتخابات الرئاسية,والذي كانت استطلاعات الرأي تؤكِّد فوزه.لكن تواطؤ أطراف وتشكيلات اليمين الفاشي في تلك الدولة العملاقة عضو مجموعة»بريكس»،أسهم في إقصاء «لولا»,مانِحاً فرصة ثمينة للمرشح اليميني المُتطرّف,الذي قال في احدى المقابلات التلفزيونية خلال حملة ترشيحه الصاخِبة,التي لاقت دعماً غير محدود من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وخصوصاً زعماء اليمين الشعبوي في أوروبا من أمثال مارين لوبن في فرنسا:»إن الخطأ الرئيس للنظام الديكتاتوري السابِق،هو عدم قتل المزيد من الناس».مُتعهداً إغلاق الكونغرس البرازيلي (مجلس النواب) في نفس اليوم الذي يتم انتخابه رئيسا».ولم يتردّد في بذل وعد بـ»إلقاء منافِسه اليساري في الانتخابات الرئاسية في السجن,بعد فوزه بالانتخابات قائلاً:»إن حزب العمال، هؤلاء التافِهون الحُمر،سيتم منعهم من وطننا».
هو إذاً يقيس «الوطنية» وِفق معايير فاشية,تقول حتى داخل البرازيل ما كان حدّده جورج بوش الابن في سياسته الخارجية:»من ليس معنا فهو ضدنا»,وهنا تكمن خطورة التيار الشعبوي الآخذ في الصعود والاستحواذ على الحكم والفضاء الإعلامي في العالم,وبخاصة في أوروبا وأميركا اللاتينية,حيث الخطاب العنصري هو المتقدّم رافعاً شعارات تحط من النساء والسود, ويقول أحدث نسخة برازيلية منهم انه سيحكُم البلاد وفِق الكتاب المُقدّس والدستور»,على نحو يُؤشِّر الى احتمال قيام «دولة دينية»,تنظُم ايقاعها ايديولوجيا تيار الانجيلية المسيحية المتناغِمة مع الصهيونية وخطابها العنصري الفاشي,ودائماً في استعادة الشعارات الرافضة لأيّ وجهَة نظر مغايِرة,كما قال بولسونارو نفسه بعد الإعلان عن فوزه:»..لا يُمكِننا الاستمرار في مغازَلة الاشتراكية والشيوعية (والشعبوية).. وتطرّف اليسار» (كذا).
ماذا عن ردود الفعل العربية وخصوصاً الفلسطينية؟.
لا تعدو كونها إعادة انتاج للّغة الخشبية نفسها,التي تتحدث عن «خرّق للقانون الدولي» و»تمنِّيات» تصدر بالفاكس او عبر الإيميل,بالعودة عن القرار,وغيرها مما لا يحفل بها مُتّخِذو قرارات الانحياز لسياسات الدولة الصهيونية العنصرية الإحلالية والكولونيالية.بل ثمة دول عربية عديدة لم يعنيها التحول الدراماتيكي في سياسة دولة أميركية لاتينية ذات وزن سياسي واقتصادي عالمي معروف.ثُمّ يحَدّثونك عن القمم العربية الأميركية اللاتينية,التي لا تثير اهتمام العرب أو تحفزهم على استمالة تلك الدول.فيما تُسجّل إسرائيل المزيد من المكاسِب وتحصد الإعجاب.ولهذا كانت نبوءة الماغوط ولحام وقلعي قبل أربعة عقود,مستشرِفة المستقبل مُتحدّثَة عن «ألغاز»ما يحدُث في بلادنا,بضرورة أن مَعرِفَة ما يحدُث في البرازيل,حتى نعرِف ما يحدث في بلاد لغة الضاد.
.. وأمجاد يا عرب.
kharroub@jpf.com.jo
قرارات ترمب «البرازيلي»... وردود الفِعل العربية «المُتلعّثِمَة»!
11:00 4-11-2018
آخر تعديل :
الأحد