كتاب

«غزو» تطبيعي !

تعتبر مرحلة الانهيار العربي الراهنة «ذهبية « للكيان الصهيوني، حيث تمر القضية الفلسطينية في أصعب مراحلها، في الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام العربي بقضايا عديدة!.. تتراوح بين الصراعات الاهلية والبينية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة ،وتفكك النظام الرسمي التقليدي.

اسرائيل تستثمر اللحظة لتوسيع دائرة التطبيع مع العالم العربي ، وكشف بعض العلاقات السرية الى العلن بما يشبه «الغزو» ، وكسر ما يمكن وصفه ب «جدار الخوف» من التطبيع، لدى الكثير من الحكومات العربية ، يعزز هذا النشاط الاسرائيلي الدعم الأميركي المطلق للكيان الصهيوني في عهد ادارة ترامب، التي قررت الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقلت سفارتها اليها ،وهو ما لم تقدم عليه أي إدارة أميركية سابقة !

وكان آخر مفاجآت التطبيع ، زيارة رئيس وزراء اسرائيل نتنياهو الى سلطنة عمان ، وتحليق طائرته في أجواء أكثر من دولة خليجية لأول مرة ! وتزامنت الزيارة ،مع حراك تطبيعي لافت مع دول خليجية أخرى ، تمثل بزيارة وزيرة الرياضة الإسرائيلية «ميري ريغيف» لإمارة أبو ظبي ضمن فريق الجودو الرياضي ،وزيارة وزير الاتصالات الاسرائيلي» أيوب قرا» دولة الإمارات ، للمشاركة في مؤتمر دولي حول الاتصالات ! فيما استضافت دولة قطر وفدا رياضيا إسرائيليا، الامر الذي يؤكد ما قاله نتنياهو ويخشاه الفلسطينيين، أن دولا عربية جديدة تذهب باتجاه التطبيع !

وفور انتهاء زيارة نتنياهو إلى عمان، أعلن وزير الاستخبارات الإسرائيلي «يسرائيل كاتس» ، الذي يتقلد وزارة المواصلات أيضا، أنه سيشارك في مؤتمر للمواصلات الدولية الذي سيقام في السلطنة، حيث سيقدم أمام المؤتمر خطته المسماة «قضبان السلام» الخاصة بخطوط سكة حديد ، تربط بين البحر المتوسط والخليج العربي من خلال إسرائيل ، بحيث تشكل جسرا بريا «.

وحسب وزير التعليم الاسرائيلي نفتالي بينيت وزعيم حزب «البيت اليهودي»،فإن «زيارة نتنياهو إلى سلطنة عمان تشكل اختراقا سياسيا جوهريا في المنطقة، وجزءا من الاستراتيجية الإقليمية لدولة إسرائيل، ودليلا على أنه يمكن بناء علاقات واتصالات دون ما يسميه تقديم « تنازلات « عن أراضي للفلسطينيين ، وإنما من خلال احترام متبادل ومصالح ثنائية»! وهذا تعبير زائف، ذلك أن الانسحاب من الاراضي الفلسطينية ليس» تنازلا» ، بل هو حق مشروع تعترف به القوانين والقرارات الدولية.

التطبيع مع اسرائيل قضية جدلية بالنسبة للعرب، وسبق أن أقرت قمة بيروت العربية عام 2001، «مبادرة السلام العربية»،التي تتضمن إقامة علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني، شريطة الانسحاب الى حدود عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ،لكن اسرائيل رفضت المبادرة، وواصلت فرض سياسة الأمر الواقع، بإصادر قوانين عنصرية، وتوسيع الاستيطان وتهويد المقدسات وقمع الفلسطينيين،ورفض القرارات الدولية.

ثمة علاقات دبلوماسية بين اسرائيل وكل من مصر والاردن ،بموجب اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة ، لكن عملية التطبيع مع البلدين تبدو باردة بسبب الرفض الشعبي! حتى العلاقات الرسمية مع الأردن، شهدت توترا لافتا خلال السنوات القليلة الماضية ، بعد حادثتي السفارة الإسرائيلية بعمان في يوليو-تموز 2017، وما تخللها من قتل حارسها لمواطنين أردنيين، ثم أزمة الكاميرات والبوابات الإلكترونية في الحرم القدسي بأوامر إسرائيلية، وقتل جنود الاحتلال القاضي الاردني رائد زعيتر. ومؤخرا قرار الاردن إنهاء ملحقي الباقورة والغمر من اتفاقية وادي عربة.

ولا يغيب عن ذهن المراقب الربط بين زيارة نتنياهو الى مسقط، وزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى السلطنة قبل ذلك باسبوع ، ومن المفترض ان يكون ثمة علاقة بين الزيارتين لجهة التوسط ، وما يعزز هذه الفرضية إرسال السلطان قابوس مبعوثين الى الرئيس الفلسطيني بعد زيارة نتنياهو لمسقط.

توقيت زيارة نتنياهو جاء بعد تعثر ما سمي ب»صفقة القرن» ،التي تطبخها ادارة ترامب ، والقراءة الموضوعية لزيارتي نتنياهو وعباس، أن السلطان ربما بالتنسيق مع واشنطن يسعى للمساهمة بدفع هذه الصفقة !

Theban100@gmail.com