أبواب

لماذا يلازم النحس بعض الأشخاص ؟

النحس أو سوء الحظ كلمة عربية لها دلالات واضحة في الحياة العامة وتفسيرات مختلفة عند الأطباء النفسيين وخبراء علم الطاقة، توضح بمعناها البسيط حالة الإنسان وعدم توفيقه في الأمور الدنيوية، وذلك يرجع لبعض التصرفات السلبية التي يقوم بها الشخص سواء عن دراية أو عدم معرفة بالأمور فتكون أفعاله أحيانا غير موفقة.

ولفظة «وجه النحس» إتهام عادة ما يرافق الشخص الذي إن حل بمكان وقعت به المصائب حتى إن لم يكن له يد بها، أو الذي تغلق الأبواب دائمًا في وجهه في المسعى الذي يريده، كما يعتقد البعض. تقول رندة عمار: «أصبحت ألقب بين الناس بـــ»المشؤومة» أو «وجه النحس» والسبب أنه توفي والد خطيبي يوم خطبتي، ويوم الزفاف توفيت والدته، وبالطبع طلقني لأن الجميع أكدوا له بأن قدمي نحس على عائلته وهو ما أدى إلى وفاة أهله».

وتابعت بحرقة وألم: «عقب ما حصل من بلبلة يوم الزفاف جعل غالبية من يعرفني يعتقد بأني نحس ووجودي بأي مكان يجلب الشؤم، وما زال النحس يرافقني لهذه اللحظة على حسب قول الناس، وبالطبع لم أتزوج لأن كل من يتقدم لخطبتي يخبره الناس قصتي فلا يعود أبداً، وما حصل لي تسبب بأزمة نفسية دخلت إثرها إلى المستشفى، فالناس حكموا علي بأني «نحس».

وفقاً لما تقوله الأخصائية النفسية الأستاذة في الجامعة الأردنية الدكتورة لطيفة دردس فإن : «مثل هذه الأنماط التشاؤمية في التفكير تعتبر من أدنى مراتب الفهم، حيث تقوم على الربط العشوائي وغير المنطقي بين المتغيرات، إذ يقوم أصحاب التفكير التشاؤمي بربط المتغيرات المتقاربة (زمانياً) والمتباعدة (منطقياً وموضوعياَ) بعلاقات سببية، فمثلاً إذا صادفوا شخصاً ما وأعقب ذلك حدوث ضرر معين لهم يعملون على افتراض أن رؤية هذا الشخص كانت سبباً في الضرر الواقع عليهم».

وأضافت: «ولا يتمتع من يملكون هذا النمط من التفكير على الأغلب بالمهارات العليا للتحليل والفهم المنطقي للأحداث إذ يسارعون إلى تفسيرات خرافية مبنية فقط على التعاقب الزمني للأحداث، وهذا من الناحية الشرعية يعرف بالتطير وهي من ممارسات الجاهلية التي نهى عنها الإسلام لما فيها من أضرار بالفرد وعلاقاته الإجتماعية دونما سبب واقعي».

وتبين دردس أنه: « تشير إحدى الفرضيات النفسية المعروفة ب self-fulfilling prophecy أو النبوءة المحققة لذاتها أن آراءنا المسبقة قد تكون مسؤولة بنسبة كبيرة عن تشكيل مواقف الآخرين والأحداث المحيطة بنا، فمثلاً لو أخذت فكرة مسبقة عن شخص ما أنه مصدر للشؤم فستتعامل معه على هذا الأساس وقد تتصرف مع بفضاضة وحذر وتصبح أكثر يقظةً وتحسباً عند تعاملك معه لما قد يحدث معك، فإذا ما شعر الشخص الآخر بمعاملتك وتصرف معك بصورة سلبية مماثلة أو في حال تصادف حدوث مكروه ما عند تواجد هذا الشخص فإنك ستبادر إلى تأكيد ما افترضته في البداية وتستمر افكارك نحوه أكثر وأكثر بصورة سلبية، وعليه فإن افتراضاتنا المسبقة للأحداث قد تكون سبباً في تشكيل طريقة فهمنا وادراكنا للأسباب التي أدت لوقوع هذه الأحداث مما يؤدي بنا إلى التفكير التشاؤمي السلبي».

وأنهت دردس حديثها قائلة: «إن الحفاظ على تفكير إيجابي يعتبر أساساً للتمتع بالصحة النفسية والإجتماعية والإنفعالية حيث أن ما يدور في أدمغتنا من أفكار يترجم على شكل مشاعر وانفعالات، والتي بدورها تصبغ سلوكياتنا إما إيجاباً وإما سلباً، كما أن التفكير الإيجابي والمنطقي غالباً ما يعكس أثاره على قدرة الشخص على إدارة الضغوط والمواقف السلبية فيكون أكثر قدرة على تحمل المسؤولية والإستفادة من أخطائه بدلاً من رمي اللوم على الآخرين واللجوء إلى الخرافات والتفكير السلبي كلما واجهته مشكلة أو تحد ما، وتشير الأبحاث إلى أن التفكير الإيجابي يزيد من كفاءة الجهاز المناعي للإنسان وبالتالي يقلل من الإصابة بالأمراض المزمنة كالضغط والسكري وغيرها».

ويبين أستاذ الفقه وأصوله في كلية الأميرة عالية الجامعية بجامعة البلقاء التطبيقية الدكتور محمد علي الهواري حكم من ينسب النحس إلى الآخرين إن: «قول شخص عن آخر أنه يجلب النحس، أو أن قدوم فلان نحس على العائلة، وغير ذلك من العبارات التي تنسب إلى المرء ما يقع من الشر، يدخل في باب التشاؤم والتطير المنهي عنهما في الإسلام، لما فيهما من سوء الظن بالله تعالى « قال صلى الله عليه وسلم:( لا عدوى، ولا طيرة، ولاهامة، ولا صفر)، ووجه إساءة الظن بالله تعالى عند المتشائم والمتطير اعتقاده أن ما حدث له إنما هو بسبب هذا الشخص دون إضافة تدبير الأمر إلى الله تعالى، يعتبر سوء ظن بالله تعالى، وهذا لا يجوز»

وأضاف: «نسبة الشر أوالنحس كما يقول الناس إلى الإشخاص لا يجوز، ويقع من يفعل ذلك في الإثم إذا كان يعتقد ما يقوله، وقد بين القرآن الكريم عدم صحة نسبة الشر إلى الآخرين في قوله تعالى في سورة ( يس ) بقوله تعالى: (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون) فقد نسب الكافرون الشر إلى الرسل بقولهم لهم إنا تشاءمنا منكم، فرد عليهم الرسل إن شؤمكم معكم بمعنى حظكم من الخير والشر معكم ولازم في أعناقكم وليس من شؤمنا «.

ويوضح الهواري: « قد حث الإسلام على الفأل الصالح، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لا عدوى،ولا طيرة،ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة)، وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الصالح لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن بالله تعالى، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال».

أنهى الهواري حديثه: «خلاصة الأمر أنه لايجوز أن ينسب شخص إلى آخر ما يقع من الشر مما ليس منه، ولا له فيه مدخل، وأنما يتفق موافقة قضاء وقدر، فتنفر النفس منه، ومن ينسب الشر إلى شخص آخر فإنه آثم ، ولا يصح ذلك منه، لأنه بفعله هذا يشوه صورة هذا الشخص، ويجعل الناس يبتعدون عنه، ويبتعد هو عن الناس ، وقد يؤدي ذلك إلى حالة نفسية صعبة تلازم هذا الإنسان، وهو ضرر لا يجوز الحاقه بالآخرين».