كتاب

خو



لا أعرف ماذا نعني بشركات تنظيم رحلات مغامرة وتحدي الصعاب... صراحة أنا لم أكن أسمع بها, وذهلت حين عرفت أن المدارس تتعاقد مع شركات من هذا النوع لتنظيم رحلات مدرسية لطلبتها.

القصة ليست مغامرة , القصة أن الشركة ستتقاضى والمدرسة ستتقاضى والطالب سيدفع, تلك هي المعادلة.. فبدون الدفع وبدون رأس المال لن تقوم هنالك شركة.

أولادنا زمان لم يكونوا يحتاجون لا للمغامرة ولا لتحدي الصعاب كنا نرسلهم إلى ( خو) في الزرقاء, وبالتحديد إلى مدرسة المستجدين كي يقوموا بأداء خدمة العلم, الجيش ليس مغامرة.. والجيش ليس تحديا للصعب لأنه الصعب ذاته والرجولة ذاتها.

عمان في الثمانينيات لم تكن تشاهد فيها جيلا ناعما, فعلبة السردين (الميلو) التي توزع على المكلفين, الجميع يجلس حولها سواء كان من (مريغة) أو من عبدون.. (وخو) لم تكن تعرف خريج مدرسة خاصة, أو خريج مدرسة من جرف الدراويش الجميع فيها سواسية, والجميع فيها سيزحف.. وسيقفز وسيصحو مبكرا.. والجميع في (خو) أيضا, سيحلق وجهه بشفرة نوع (تمساح).. والجميع سيؤدي التحية حين يعبر, النقيب (صفوق) من أمام ميدان المشاة.

حين كانت (خو) هي المرتجى والفؤاد, لم يكن هنالك عبدون مول.. لم تكن مطاعم الحب والنظرات قد انتصبت بعد, لم تكن حفلات المجون الليلة تجرؤ أن تصرح عن نفسها.. ولم يكن وائل يجرؤ أيضا أن يباهي عطالله بأن بنطاله الجينز من نوع ( ليفيس) لأن الفوتيك في (خو) كان هو العنوان والرداء.. والإلتزام ..

صحيح أننا بنينا البوليفار والأبراج, بنينا الشوارع والجسور.. وخو لم تكن تحتاج لترف البناء, كانت فقط تحتاج للبركسات.. بنينا كل هذا العمران الباهظ التكاليف وهدمنا الوجدان!

(فخو) لم تكن مكانا بل كانت وجدان الأردن.. والأمهات حين يودعن ابنائهن الجيش.. لم يكن الخوف يتملك قلب أي واحدة منهن فالعنوان هو الوطن, والخدمة هنالك شرف وعزيمة..

أنا من جيل, فهم الوجدان الأردني جيدا.. لأني في طفولتي نمت في معسكرات الزرقاء, وعبرت عن (السكة).. ذهبت لمستشفى التضميد, ووقفت على شيك مدرسة المستجدين في(خو).. وآمنت دوما أن عمان هي العاصمة السياسية والإدارية للدولة لكني بالمقابل.. امنت أيضا بأن (خو) هي عاصمة الرجولة والفؤاد.. والحب..

ما نحتاجه هو إعادة, بناء (خو).. إعادة بناء وجداننا.