تزامَن نشْر دراسة استقصائية قامت بها صحيفة Military Time الأميركية المُتخصِّصة بالشؤون العسكرية، قالت فيها نسبة 46% من الجنود الأميركيين»اعتِقادهم» أن بلادهم ستشارِك في حرب شامِلة خلال العام المقبل (2019)، تزامَنت مع انطلاق أضخم مناورات عسكرية لحلف شمال الاطلسي منذ نهاية الحرب الباردة على الأراضي النرويجية (القريبة من الحدود الروسية)، في عرض قوة مُعلَن، أثار غضب موسكو وبخاصة أن»31» بلداً تشارك فيها وعديد قوات وصل إلى خمسين ألف جندي، فضلاً عن آلاف الآليات والبوارج ومئات الطائرات، أعلنَت قيادة الحلف أنها تهدف إلى تدريب القوات على الدفاع عن أي دولة عضو تتعرّض لاعتداء.
وإذا ما تم ربط مثل هذه التطورات، التي تعكِس تدهوراً ملحوظاً في علاقات الغرب مع روسيا، ما أشاع أجواء من العسكَرة في العلاقات الدولية المأزومة، وبخاصة مع وصول ترمب إلى البيت الأبيض ورفعِهِ شعار»أميركا أولاً»، ناهيك عن بدئه حروباً تجارية أخذت طابع إعادة «الحمائِية» إلى مشهد العلاقات التجارية، في إدارة ظهرٍ بازدراء وأنانِية إلى ما كانت الدول الرأسمالية قد بذلت جهوداً مضنية، من أجل إدخال دول العالم في صيغة جديدة تنهض على انقاض منظمة «الجات»، أخذت تسمية جديدة تُعزِّز من مصالح الدول الرأسمالية، وهي منظمة التجارة العالمية. فإننا نكون أمام حروب جديدة ذات بواعِث وأسباب ومبرِّرات مختلِفة، لا تعدم الدول الإمبريالية، وقد برز في المشهد الدولي من ينافِسها أو يكبَح جماحِها أو يَدخُل في سباق غير مضمون النتائج لصالحها، كما كان يحدث في السابق، أن تختلِق من الأسباب والأحابيل ما يشحن الأجواء ويوتِّر العلاقات الدولية، ويأخذها إلى مربّع التصادم، كما يحصل الآن مع الصين «تجارياً» وبشكل مواز عسكرياً، في مسألتي تايوان وبحر الصين الجنوبي. ومع روسيا خصوصاً بانسحاب واشنطن من معاهدة الحد من انتشار الصواريخ النووية قصيرة المدى ومتوسطتها، وبخاصة في توسّع حلف شمال الأطلسي نحو حدود روسيا اللصيقة، وضم المزيد من دول شرقي ووسط أوروبا إلى الحلف، و»مبادرة» واشنطن لتعقيد وتصعيب السياسات الروسية في اوكرانيا/ القرم وسوريا وجورجيا والقوقاز ودائماً في فرض العقوبات التجارية القاسية عليها وبذل كل الجهود والضغوط الممكنة لمنع تدفق، الغاز الروسي إلى أوروبا كما يحدث الآن في شأن خط الأنابيب الجديد الذي تعمل عليه روسيا والمانيا (نورد ستريم2).
في الأجواء المشحونة هذه، ظهرت مؤشرات على احتمال خروج الأمور عن نطاق السيطرة، بعضها أخذ طابع التحذير المباشر بتحرّك عسكري «مهما كان الثمن»، وِفق ما توعّد به وزير الدفاع الصيني، بأن جيش بلاده «سيتحرّك لإحباط فصل جزيرة «تايوان» عن الوطن الأم مهما كان الثمن». مُعتبِراً أن قضية تايوان مرتبِطة بسيادة الصين وسلامة أراضيها، كما أنها تمَسّ مصالح الصين الأساسية».
فيما ذهب القائد السابق للقوات البرّية الأميركية في أوروبا الجنرال «بن هودجز» إلى القول: بوجود احتمال كبير»لأن تدخل الولايات المتحدة حالة حرب مع الصين خلال 15 عاماً « معتبِراً على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى دعم أوروبي قوي للغاية»، مُكرِّراً توقّعه باحتمال «كبير» بأن بلاده ستكون في حالة حرب مع الصين بعد «15» عاماً»، وإن كان لفَت في الوقت عينه، إلى أن بلاده «ليس لديها القُدرة على القيام بكل ما هو ضروري في أوروبا ومنطقة المحيط الهادئ، للتغلّب على التهديد الصيني».
واضِح أن المسألة أبعد من أن تكون مجرّد لعبة «عض أصابع»، بل هي على ارتباط وثيق بالتحوّلات الدراماتيكية التي تطرأ وبتسارع على المشهد الدولي، والإحتمال القوي والقريب أيضاً لبروز نظام دولي جديد مُتعدّد الأقطاب، لا تكون الكلمة الأولى فيه لواشنطن، بل في الإمكانية الأسوأ أن تكون واشنطن «الأولى بين متساوِين»، هو أمر بدأت تُدركه دوائر وأجهزة الدولة الأميركية «العميقة»، وتؤشِّر عليه بل تُؤكّده الدراسات الأميركية «الرصينة» والمختلفة القراءات.
في موازاة ذلك تبرز في المشهد الروسي، حيث موسكو تُتابِع عن كثب، ما تقوم به واشنطن من تحرّشات ذات طابع عسكري استفزازي، وإجراءات تُعيد ولو في شكل تدريجي ومتدحرِج، أجواء الحرب الباردة وسِباق تسلُّح جديد، تظن ادارة ترمب أنها قادرة على تكرار ما فعلته ادارة ريغان، باستدراجها موسكو «السوفياتية» إلى سباق تسلّح مُرهِق اتّخذ اسم «حرب النجوم» وأفضى في النهاية إلى تقويض الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد حلف وارسو، وتغوّل «الناتو» بالمقابِل ووصوله إلى الحدود الروسية وعلى تخومها. نقول: في موازاة ذلك ثمة أصوات روسِية ذات مرجِعية عسكرِية تتحدث عن»طريقة مضمونة لتدمير الولايات المتحدة»، أوردها خبير عسكري في صحيفة «غازيتا رو» الروسية، شرحها رئيس أكاديمية المُشكِلات الجيوسياسية دكتور قسطنطين سيفكوف على النحو التالي: «..القضاء على الولايات المتحدة، يحتاج فقط إلى شَنّ هجوم نووي على (مناطق جيوفيزيائية) في أميركا الشمالية، وعلى وجه الخصوص على بركان بلوستون الهائِل والصدع على ساحل المحيط الهادئ»، مُضيفاً»..أن ليس على روسيا الدخول في سباق مع الولايات المتحدة في عدد الرؤوس النووية وعديد القوات»، معتبراً أن «من المستحيل السير في طريق الاتحاد السوفياتي، لكن السبيل الوحيد المُتبقّي، هو جعل الحرب النووية مرةً أخرى، غير عقلانِية وعديمة المعنى بالنسبة للمُعتدي». الحل الأكثر عقلانية، وفقاً لسيفكوف، هو إنتاج 40-50 شحنة نووية فائقة الثِقل، بقوة تزيد عن 100 ميغاطن. فإذا وُجِّهَت ضربة إلى يلوستون وصدع الباسيفيك، فسوف يتم»ضمان تدمير الولايات المتحدة بالكامل».
ورغم ذلك وربما بسبِبه، فإن واشنطن مُجبَرة شاءت أم أبت، على إعادة النظر في خِططها وبرامِجها، المُعلن منها والخَفي، الهادِفة بالطبع إلى عسكرة العلاقات الدولية وأخذ العالم إلى مربع المواجهة العسكرية، التي لن يخرج منها أحد منتصراً. وإلاّ فإن كوكبنا بات في خطر كبير، يُمكن رصده في التدهور الذي يطبَع علاقات «الكِبار».. بعضهم البعض.
ولعل الامر الذي وجهه الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم امس، لجيش بلاده «مراقبة بحر الصين الجنوبي وتايوان ، لتقييم الوضع وتعزيز قدراته ، حتى يتمكن من التعامل مع اي (حرب طارئة) » يكشف ضمن امور اخرى ، حجم ومدى التوتر الذي بات يميز علاقات واشنطن بكل من بيجين وموسكو .
«حروب في الطريق»..إنهم يَحفِرون الخنادِق!
11:15 27-10-2018
آخر تعديل :
السبت