كتاب

صناعة الأخبار

تحول الصحفي السعودي»جمال خاشقجي»، من كاتب صحفي يشتغل في الاعلام..نقل وتحليل الخبر وكتابة مقالات الرأي، الى خبر صادم يملأ الكرة الأرضية بطولها وعرضها منذ نحو اسبوعين، يتصدر نشرات الأخبار في المحطات التلفزيونية والاذاعية، وعنوانا رئيسيا في الصحف العالمية،ومادة أساسية للتحليل والتعليق والاستنتاج، والاهتمام الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الالكتروني، ومادة للتصريحات السياسية ومواقف الدول، والاهتمام الاستثنائي من قبل المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان والحريات الصحفية.

وعملية حشد الرأي العام العالمي باتجاه هذه الحادثة، تؤكد مجددا أن الاعلام»سلطة رابعة»حقيقية، تلعب دورا محوريا بالتأثير في مسار العلاقات الدولية، كما يطرح لغز خاشقجي» تساؤلات تتعلق بموضوع «صناعة الأخبار»، وقيمتها بالنسبة لوسائل الاعلام ،فكلما كان الخبر مثيرا وصانع الخبرمهما كان الاهتمام به كبيرا، فوسائل الاعلام تبحث عن الإثارة، فهي بالنتيجة تجارة تبحث عن سوق ومتابعين لبيع بضاعتها!

لا أقصد الجانب التحريري والآليات التقنية لإعداد وإنتاج الأخبار، لكني أعني الأشخاص الذين يصنعون الأحداث،التي تتحول الى أخبار تتسابق وسائل الاعلام على نقلها وتشغل الرأي العام، وتصبح مادة يتبارى المحللون والخبراء في تفسيرها، وقراءة خلفياتها والتكهن بنتائجها على المجتمعات والعلاقات الدولية!

وغالبا ما يكون الساسة هم صانعو الأخبار، وهنا تتباين أهمية الأخبار وتداعياتها، حسب الموقع الذي يشغله «صانع الخبر» والقضية موضوع الخبر، أو وزن الدولة التي يتعلق بها الخبر من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكن بعض الأخبار يصنعها أشخاص،ليسوا في موقع صنع القرار كما هي قصة خاشقجي !

فعلى سبيل المثال، فإن الكثير من»تغريدات»وخطب الرئيس دونالد ترمب، تشكل مادة خبرية تشغل وسائل الاعلام، وبالمقابل هناك الكثير من الساسة في دول عديدة يشغلون مواقع سياسية وتشريعية وادارية..الخ، يطلقون»تغريدات» وتصريحات يوميا، لكنها بلاأثر يذكر بسبب هامشية دولهم، فلا يمكن مثلا مقارنة «تغريدة» يطلقها رئيس أو حاكم دولة من العالم الثالث، تعتمد على المساعدات الخارجية بتغريدة يطلقها ترمب!

ولفترة تزيد عن سبعة أشهر كانت الصبية الفلسطينية«عهد التميمي - 16 عاما»، صانعة للأخبار في وسائل الاعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، والسبب تصديها لجنود الاحتلال في 19 /12/ 2017، وقد بيّن فيديو تم تداوله على نطاقٍ واسع «صفعها» لجنديين اسرائيليين، ما أدى إلى اعتقالها فجر ذلك اليوم من منزلها، وسُجنت هي ووالدتها طيلة ثمانية أشهر.

والخبر هنا لا يتعلق بـ «الصفعة» بحد ذاتها، لكن قيمة الحدث تكمن أن عهد التميمي صفعت جنديين صهيونيين مسلحين، بما يمثلانه من قوة باطشة تقوم يوميا، بعمليات اعتقال واستفزاز وقتل وإهانة للمواطنين الفلسطينيين، وهناك العديد من النماذج لبطولات فلسطينية شكلت مادة اعلامية، مثل عملية استشهاد الصبي «محمد الدرة»، برصاص جنود الاحتلال في قطاع غزة وهو في حضن والده، في الثلاثين من ايلول عام 2000، اليوم الثاني من انتفاضة الأقصى.

وهنا يلاحظ أن مثل هذه الأحداث تحظى بتغطية اعلامية واسعة، بسبب ما تنطوي عليه من إثارة، فـ «عهد التميمي» قامت بعمل شجاع ومثير، لكنها حوكمت وسجنت وحظيت باهتمام اعلامي واسع ،حتى بعد خروجها من السجن، لكن مقابل ذلك هناك الكثير من الشهداء والجرحى، يسقطون برصاص جنود الاحتلال،وآلاف الأسرى يمضون سنوات طويلة في سجون الاحتلال، وثمة فعاليات متواصلة منذ أكثر من سبعة شهور في قطاع غزة، ومواجهات ساخنة مع قوات الاحتلال، تحت عنوان مسيرات العودة، لا تشكل بالنسبة لوسائل الاعلام سوى أخبار عابرة !

ويمكن الاشارة الى العديد من الأحداث و«الرموز» التي تتحول الى مادة اعلامية، تكبر بسرعة مثل رمي حجر في الماء، ينتج عنه دوائر تكبر وتتسع في كل اتجاه، مثل عوني مطيع»بطل»قضية فساد الدخان، التي أشغلت الرأي العام الاردني، وعملية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق»رفيق الحريري»عام 2004، ولا يزال الملف مفتوحا حتى اليوم..وغير ذلك كثير!

Theban100@gmail.com