لم تكن استقالة المبعوث الدولي ستيفان ديمستورا مفاجِئة،إذ ان الرجل الذي قضى أربعة سنوات واربعة اشهر في موقِعه،لم يكن على تلك الدرجة المطلوبة من النزاهة والحياد والتزام القانون الدولي في المهمِة التي إنتُدِبَ لها,وما كان للقوى الغربية ان توافق على ترشيحه لولا ثِقتِها بانه لن يخرج عن الاطار المرسوم»غربياً» لوظيفة كهذه.ورأينا كيف آلت معظَم – إن لم نقل كل – مهمات المبعوثين من هذا الطراز لِأزمات دولية عاصفة إن في ايرلندا ام رواندا،وخصوصاً في الشرق الاوسط. سواء في فلسطين أم اليمن,الى»مراوحة»في المكان تكاد تكون مقصودة بذاتها ولِذاتها،وبخاصة في شأن المساواة بين الضحية والجلاّد،وبين المحتَلّ والواقع تحت نير الاحتلال،بذريعة الحياد المزعوم والتلطّي خلف شعارات وتصريحات مغسولَة،تقول الشيء ونقيضه.
ما علينا..
يذهب ديمستورا وقد أعلن استقالته التي ستكون سارية نهاية الشهر المقبِل،الى دمشق بدعوة – كما قال – من الحكومة السورية،لكن هبوطه في العاصمة السورية جاء مصحوباً – كالعادة – بتصريحات تُحمِّل سوريا مسؤولية «التأخُر»في تشكيل وانعقاد اللجنة الدستورية,قائلاً في وضوح:إن السبب الرئيسي للتأخر في تشكيل وعقد اللجنة الدستورية هذه،هو عدم موافقة الحكومة السورية على اللائحة»الثالثة»التي قامت»الأمم المتحدة»بإعدادها,لتشكيل لجان الدستور.
لكن صاحب»السِلال الاربع»التي أعلنها في تموز العام الماضي،ظناً منه – إقرأ مناورَة منه – انها يُمكِن ان تشكل «أحبولة»جديدة,او التفافاً على دعوات المعسكر الرافض للمؤامرات الغربية وخصوصاً الاميركية,لِمنح هياكل المعارضات السورية دوراً رئيسياً في الأزمة السورية،بخاصة في تركيز الدول الغربية وإصرارها على اعتماد بيان «جنيف1»مرجعية لِأي حل او مفاوضات،للإلتفاف على تناول هذه»السلال»في شكل مُتزامِن,وليس في شكل انتقائي كما حاول ديمستورا دون نجاح – بدعم غربي وبعض العربي – ,تقديم عمل اللجنة الدستورية على السلال الثلاث الاخرى،وهي الشؤون المتعلِقة بالحكم والمسائل الانتخابية ومكافحة الارهاب.فيما كان الاجدى والأهم في تلك المرحلة،( كانت بوادر فشل مشروع إسقاط الدولة السورية،تلوح في افق الميادين العسكرية وساحات مواجهة الجيش السوري مع الجماعات الارهابية،مُتعددة الجنسيات والتمويل والتشغيل)،وضع مسألة مكافحة الارهاب على رأس اولويات جدول اعمال المفاوضات بل وجدول الاعمال الدولي،هادِفين دعم الارهاب وتوظيفه في الازمة السورية كأولوية على اجندتِهم كمُّمولين ومُشغّلين.
ثمة أسئلة تطرح نفسها تقول:ما الذي مَنَح الأُمم المتحدة,حق تعيين وتحديد اسماء»اللائحة الثالثة»،وبخاصة في ظل الإستنسابية التي تَنْظمُ عمل المنظمات الدولية،وهيمنة الولايات المتحدة على القرار في لجانها المُختلِفة؟ناهيك عن الكيفية التي ينظُر بها القائمون على شؤون الامم المتحدة,وطريقة عمل»مبعوثيها»لِأزمات العالَم العربي وتحديداً في الازمة السورية؟
«لوائح»ثلاث سيُصار الى تشكيلها للمشاركة في عمل اللجنة الدستورية المنوط بها تعديل بعض مواد الدستور السوري القائم وليس كتابة دستور جديد كما يسعى الأميركيّون وبعض العرب لِفرضِه.ويُفترض ان يكون عدد اعضاء كل لائحة هو «50» عضواً،تتولّى الحكومة السورية تشكيل لائحتها،فيما تُوكل مهمة تشكيل اللائحة الثانية لبقايا هيئة التفاوض،التي تُمثل ما تبقىّ من مُعارضات،بعد انفراط عِقدها وتشتّت صفوفها.لكنها تبقى بمرجعية تركية اميركية كما هو معروف.أما الثالثة فقد احتكرَت بعثة ديمستورا مهمة تحديد اسمائها،فإذا بها بعد عمل خلف الابواب المغلقة وبمشاركة مكشوفة من أجهزة استخبارية،تتوصّل الى اسماء»خمسين»ممثلاُ معظمهم»مجهولو»الدور والحضور في المشهد السوري.قيل زوراً في وصفِهم:انهم»مُمثِّلون»للخبراء السوريين (..) والمجتمع المدني والمُستقلّين وقادة القبائل (..) والنساء (كذا).وللمرء ان يدقق في الهلامية والسيولة التي هي عليها هذه الاوصاف المُرسَلَة،التي يتقن دهاقنة الغرب الإستعماري والغرف الإستخبارية السوداء،الرطانة حولها وإضفاء مسوح البراءة المُصطَنعة عليها،عبر تغليفها بعناوين ومصطلحات برّاقة.
هذا يعني ان رفض دمشق لِلائِحة ملغومة كهذه،له ما يُبرِّره،وبخاصة إذا ما قُيِّضَ لأعضاء هذه اللوائح ان يلتقوا،حيث سيكون للمحسوبين على المعسكر المهزوم الداعِم للارهاب،والذي يُحاول مستميتاً عرقلَة الحل السياسي للازمة السورية...اليد العليا،ويكون عددهم في واقع الحال مئة مُمثِّل,مقابِل خمسين ممثلاً للحكومة السورية.
وإذا ما ربطنا تلك المناورات المكشوفة,بالإصرار المحموم من داعمي الارهاب وبقايا المعارضة التي تتلقى اوامرها من انقرة وواشنطن وباريس ولندن،على ضرورة انعقاد هذه اللجنة قبل نهاية الشهر الجاري،بذريعة»إعادة تنشيط العملية السياسية،كخطوة اولى لإجراء انتخابات جديدة، نأمل – كما قال المبعوث الاميركي الى سوريا جيمس جيفري – ان تكون بعدها،حكومة سورية جديدة ومُختلفة جداً.فإننا نكون امام مخطط اكثر خُبثاً وخطورة,يحاول داعمو الارهاب تسويقه والترويج له عبر ممارسة ضغوط سياسية واخرى ميدانية في شرق سوريا وإدلب،يظنون ان بمقدورهم تمريره.لهذا ايضاً ودائماً رفضت دمشق وموسكو،بحزم اي تدخّل او تحديد جدول زمني للجنة الدستورية او في طريقة تشكيلها.