الحمام العام, الشّعبي البلدي التّركي، إنتشر في مدننا أخذا عن الأتراك. ساعد على انتشاره عدم وجود شبكات مياه. كان هناك السّقّا يَغُبُّ مياهَه من عين النّبع عبر قطعة أنبوبيّة لا يتجاوز طولها أربعين سنتيمترا تقبع في قاع جدار خزّان جَمْعٍ يقع في عين مجرى مياه سيل الينبوع. كانت المياه تتدفّق بشكل تلقائي بلا ضابط ولا رابط تنساب ليلا نهارا هنيئا مريئا بلا عدّاد بلا فوترة ولا يحزنون, كان هو (ألسّبيل): سبيل الماء. لم تكن المياه تذهب سُدى. كانت بعد إرواء الخلق تسرح و تمرح عبر الزّرع لتروي الحقل و البيدر وكلّ شيء حيّ.
لم تكن هناك مراجل تدار بالمازوت بتسعيرة طالع...طالع، بلا نازل, ولا بتيار كهربائي بعدّاد بفواتير على ورق نصف متر بأسطُرٍ(تَسْطُل). هو الحطب. يوقدونه في موقد حجري معلّق عليه حلّة نحاسية خارجة للتو من يد(إمْبَيِّض) نحاس. بعدها جاء(الوابور): ألبريموس الذي يعمل على الكاز(بعد اكتشاف البترول)أبو البلاوي...سبب كلّ المشاكل...ليتهم لم يكتشفونه. يعبّأ ألبريموس ينفخ حتّى ينزّ الكاز من فتحة في رأسه يتمّ توليعها بعود ثقاب ليتصاعد الدّغام...السّخام لتسارع اليد بالنّكش بإبرة خاصّة لتسليك مجرى الوقود, ثمّ بالنفخ بجديّ ومثابرة عبر يد البابور مرّة تلو أخرى حتّى ينتفض المارد ينفث لهبا يتوزّع على رأسه لتوضع الحلّة بعدها بما فيها على أرجل البريموس.
في الحمام البلدي...تكون هناك حلّة نحاسيّة عملاقة خلف جدار الحمّام في مكان علوي وتحتها غرفة صغيرة(ألقمّيم) تُحرق بها القمامة لتسخين المياه التي تنساب منها تلقائيا عبر أنابيب إلى أوعية (الأجران)الحجرية في كلّ(خلوة)–حجرة خاصة للأستحمام يستأجرها الزّبون-. يبدأ(ألحممجي)بتمديد الضّحيّة...مشروع الغسل على وجهه على أرض(الخلوة)، يمسك كيس الفرك الخشن يفرك به جلد الزّبون بعد ضربه في كلّ مرّة وسحبه كأنّ بينه وبين الزّبون(المجندل) تارًا...بايتًا لينتج عنها الكثير من الفتيل. بعدها يقلبه على ظهره ويمارس الخبط والفرك حتى يصبح الجسد أحمر كالشّمندر. يغرف الماء من الجرن ويشطف به الجسد وقد فقد جزءًا محسوسًا من وزنه طبقات مما علق به.
هنا يأتي دور الصّوبنة: بعد الإنتهاء من عمليّة الفرك: تَغرف(الحممجيّة)الماء من الجرن بعد تبريده قليلا بطاس من نحاس نقش عليها: (حمّام الهنا)وعين الحسود فيها عود, تسكبه على رأس العروس و تبدأ بسكبه على الشّعر الفاحم الطّويل الأسود كالليل كشلّال الأحزان(هو نزار...تذكرونه) بعد توصية بإغماض العيون السود الكحيلة وفلقة الصابونة (النابلسية)ترغي وتزبد مع لمّ الشّعر وفرده ودعكه باليد وببعضه وسط رغوة كلّما تكثّفت كان العمل سليما والحمام رائعا. يُلَحُّ الشعر المصوبن بالماء والمزيد من الماء , تُعاد العمليّة مرة واثنتان راس راسين..ثلاثة حتى يقرقر الشّعر بلا دهن بلا زيت. تنتقل أليد بعدها الى التّلييف بالليفة والصابون–ليفة من جدار الحاكورة- مرارا وتكرارا حسب أهميّة ووزن الزّبونة. بعدها يُشطف الجسد بالماء وتُعاد عملية التّلييف بالصابون مرارا حتّى يصرخ ويزقزق الجلد.
كانت الحمّامات العامّة بمثابة مكان للترفيه عن النفس, مكانا للّقاء والأُلفة بين أفراد العائلة أو الأصدقاء, يحجزون جزءا منه أو كلّه, بعد اتفاق على لقاء حمّامي جمعي. أو احتفالا بمناسبة خاصّة كعرس. هي مناسبة كبرى حيث يحتفل الشّباب بصديقهم العريس...يشبعونه ضربًا ووخزًا وقرصًا للعدوى ، يبذل(ألحَمَمجي)جهدا لافتا لتحميم العريس وتطييبه. يتحمّم الجميع على حساب والد العريس ألذي يزفّونه حملا على الأكتاف(خرج الزين من الحمّام) بعد تلبيسه الجديد من سرّطيّة والطربوش الأحمر القاني جديدا أو مُقولبًا(مكويًا)عند القُولَبجي. ليُحمل على أكتاف أصحابه أو على ظهر فرس مزفوفًا إلى عروسه و...تنطلق الزّغاريد. ألأمر ذاته بالنسبة للعروس مع الكثير من الطيب, لكن بلا زفّة ولا هم يحزنون.
هي دعوة لحمّامٍ بلديٍ في كلّ حوش طريق عطفة إشارة وقوف. بلا هدرٍ للمياه بلا مازوت بلا كهرباء بلا فوترة بلا... سمّة بدن...نعيمًا.