دراستي لمهنة الطب في كلية طب القصر العيني - جامعة القاهرة في نهاية سبعينات القرن الماضي بمصر العروبة لم تكن مقاسة صدفة او تنفيذا لرغبة فُرضت كاستحقاق حسب عادات وتقاليد كانت سائدة ضمن الأعراف الاجتماعية يورث البعض منها حتى حاضرنا اليوم ولو بدرجة أقل من السابق، بل ربما تنفيذا لخطة مبرمجة بدأت منذ سنوات الحمل مرورا بسنوات الطفولة والمراهقة والنضوج، فاكتملت معالمها في التوقيت المناسب بعد الانتهاء من شهادة الدراسة الثانوية العامة بنجاح وتفوق نسبي في تلك السنة الدرسية 1977، حيث شهدت تلك السنة تحديدا انقلابا بمعطيات امتحان الثانوية العامة من حيث تغير جميع المناهج وتطبيق خطة امتحان جديدة، واقع انعكس على معدلات التحصيل وفرص القبول الجامعي لجميع الطلبة، وسوف أجتهد الآن للتحليق بمنطاد الماضي لأسرد ما تجود به الذاكرة من المعطيات الأفقية والعامودية وحتى المتوازية منها التي حملتني في صيف ذلك العام لأتابع دراستي الجامعية بعد أن بدأت حلما وتُرجمت لواقع بالجهد والمواضبة والتشجيع الملتحق بثوب الحرص، فالغربة لا ترحم ولا تترك مكانا للصدفة، فانا شاهد على قصص واقعية لطلبة التحقوا بالدراسة الجامعية ولكنهم انحرفوا بقاربهم وظلوا الطريق الذي حرمهم من انهاء دراستهم وجفف أمل الأهل برؤية الأبناء ينجحون.
منذ صغري بسنوات الطفولة البريئة زرعت في حديقة الأمل شجيرة ذاتية بأن اصبح طبيبا يعالج الألم ويرسم الابتسامة على الوجوه ليصطدم هذا الحلم بواقع متعدد الأسباب يصعب حصرها خصوصا بظروف عائلتي المادية المتواضعة، فالوالد موظف في دائرة البريد والوالدة تمتهن مهنة الخياطة المنزلية، وأفراد العائلة ستة أبناء - وأنا الرابع بالترتيب- نعيش بمنزل ريفي تتوفر فيه جميع متطلبات الحياة الكريمة وأهمها عزة النفس والاكتفاء بما قسم الله لنا من دخل مادي، ألتحف ببراءة الحرية لترجمة الذات وأتأثر بالميحط العائلي لدرجة كبيرة، عائلة صغيرة الحجم وشاهقة بالأحلام التي ترجمتها عبر مسيرة العمر، وأعترف اليوم عبر أسطر مقالتي أن تصميم شقيقي الأكبر كريم على دراسة الطب كان له الأثر السحري بتوجيه بوصلة أفراد العائلة، لأنه يرى المستقبل مساحة للمجتهدين وتترجم ذلك على أرض الواقع عبر مسافات الزمن بواقع مهنة الطب التي تحجز لأفرادها مكانة مرموقة في المجتمع وتمنحهم حصانة من غدر الأيام، وتحميهم من تسلط المرؤوسين، وتوفر لهم حياة كريمة معتبرة في كل الظروف والأوقات، فالطبيب بشهادته الجامعية الأولى يستطيع العمل مستقلا بدخل مادي نسبي يكفيه لأولويات الحياة، وكان حلم شقيقي كريم بدراسة الطب في جامعة القاهرة حيث مناظر الطبيعة التي نشاهدها في المسلسلات والأفلام المصرية ونهر النيل العظيم، إضافة للسمعة العالية المميزة لخريجي كلية طب القصر العيني، وبالرغم من صغري فأتذكر حتى اللحظة تشجيع والدي رحمه الله وتشجيع والدتي أطال الله بعمرها بدون خوف أو تردد لايمانهم أن الطريق التي سيسلكها كريم سترصف وتعبد للاستخدام لبقية أفراد العائلة فيما بعد، وهي وجهة نظر عائلية نُفذت على أرض الواقع بالدرجة الكاملة، وكنت أحاول منذ الصغر أن أتقمص دور الطبيب أثناء اللعب مع جيلي أو في المدرسة الابتدائية، وينحفر في بردى الذاكرة سؤال من أحد المدرسين في الصف الثالث واسمه الاستاذ علي البركات في حصة نشاط صفي عن المهنة التي أريد في المستقبل، ولم أتردد القول بما يدور في خلدي حيث كان جوابي مدار بحث وتحليل بغرفة المعلمين كما علمت فيما بعد.
دخول شقيقي كريم كلية الطب بعد صراع وتحدٍ ومعاناة مع ظروف القدر مقارنة بآخرين تختلف ظروفهم العائلية فقط من حيث التسهيلات التي قدمت للذوات ولكنه يقبض على زند التصميم والارادة كسلاح تحقيق الذات، وهو ينطق دائما أن هناك تضحيات من الابن الأكبر للعائلة لأشقائه قد تُرجِمت حروفها ومفاصلها على أرض الواقع، ضمن ظروف صعبة ببدايات لم تكن مرصوفة، كان واحداً من أبطالها رجل شهم البدايات وأمي النهايات، تبرع بالمساعدة في ظاهر المساق ليتبين فيما بعد ببعده عن قدرته بأداء أي مساعدة لجهل وعدم دراية بباطن الأمور، لكن شقيقي قفز عن هذا الحاجز بجرأة ولم يستسلم حتى حقق الهدف الشخصي والعائلي، وكانت هذه الأمور ضمن الفترة العمرية لي وأنا في الصف الأول الاعدادي - السابع الآن – فزاد الحماس للمهنة، ومثَّل ذلك دفعة قوية لبذل جهد دراسي مضاعف بكفالة شفوية أعطتنا المناعة من التغير من والدي نطقها مرارا وهو يقول: «مستعد لبيع جاكيتي الذي ألبسه لتدريس أبنائي بما يرغبون شريطة تحصيلهم لمعدل يؤهلهم لدخول الكلية التي يرغبون» لأنه على قناعة أن التسلح بالشهادات العلمية هو المنقذ الوحيد لركوب عربة الطمأنينة، والاستثمار في الأبناء يحتل المنزلة الأولى بأولوية، وفي كل رسالة تأتي للعائلة هناك الجديد ودفعة تبشر بمستقبل واعد، فكان ذلك على أرض الواقع بدخول شقيقي الثاني بترتيب العائلة أكرم لنفس الكلية بسهولة ويسر، وتحمست في تلك الساعة لأسابق الزمن كي ألحق بالركب والربع ولكنني في قرارة ذاتي كان هناك حاجز معنوي بأن شقيقتي اكرام تكبرني ودخولها الجامعة سوف يشكل ضغطا ماديا على امكانات العائلة خصوصا بعد أن ابتعد المتبرعون بالمساعدة وتنكروا لوعودهم السابقة عند الاستحقاق لأسباب قد نجتهد بتحليلها، فالدخل المادي لن يسمح بالصرف على الأبناء الأربعة في الجامعة، كما أن والدي رحمه الله قد علمنا مبدأً في الحياة بالابتعاد عن مسار الأحزاب التي تتقاطع في برامجها مع ظروف الوطن وكانت جميع تلك التيارات ترفع شعارات كفيلة بإعادة لواء الاسكندرونة والأندلس، وهذا يعني معارضة الدراسة بأي من دول الأحزاب والتي كانت ستوفر من النفقات المادية بدرجة مؤثرة على الميزانية العائلية، فكان قراره بحصر الدراسة في مصر أم الدنيا ومهما كلف الثمن، وربما تضحية شقيقتي إكرام بالانخراط في سلك التعليم بعد انهائها لتخصص الرياضيات قد ساهم بانقاذ العائلة وأعاد ترتيب المعطيات بالشكل الذي ضمن هطول قطرات الاطمئنان علينا.
أطراف معادلة الدخول الجامعي تمثلت بشقها الأول بوجود تصميم من قبلي على التفوق والاجتهاد لتحصيل معدل يضمن لي دخول كلية الطب بالرغم من ظروف المدرسة الصعبة بعدم توفر مدرسين لجميع المواد، بينما الشق الآخر من معادلة القبول بتشجيع الوالدين على الدوام واستعدادهم لتأمين النفقات الدراسية، معادلة حُفرت معطياتها بأدبيات العطاء وانتهت بتحقيق أطرافها لحلمه بعد جهد مضاعف للقفز عن الحواجز، وربما كانت هناك نصيحة من شقيقي كريم بضرورة التنوع بالدراسة مقترحا لدخولي بكلية الهندسة مثلا لأسباب متعددة يصعب حصرها وما زالت الذاكرة تحفظ بحرفية محتوى البرقية التي بشرتني بالقبول الجامعي، وأذكر أن أشقائي كريم وأكرم قد سافرا للقاهرة بعد قضاء اجازتهما السنوية بيننا في يوم سبت من أيام الاسبوع المنصف للشهر التاسع، وإذا بوالدي يحضر للمنزل يوم الأربعاء مسرعا ليبشرني ببرقية اختصرت كلماتها «مبروك قبول كميل بكلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة»، وأتذكر ليومنا هذا أن فرحتي بالقبول الجامعي كانت بتحفظ وبحدود مقيدة، ولكنها خطوة على درب الحياة، تمكنني أن أكون الربان لقارب السعادة بأخدود العمل والابتكار، لتبدأ خطوة التحضير للذهاب للقاهرة للالتحاق بالدراسة الجامعية، لتحدث معجزة بالقبول الجامعي غيرت مسار حياتي وحققت مجموعة أحلامي في تلك الفترة عندما قُبلت تنافسيا بكلية الطب في الجامعات المصرية من خلال طلب التحاق بواسطة وزارة التعليم العالي، حيث سُمح لنا في تلك السنة بتقديم طلب التحاق موحد للجامعات المصرية والسورية وبعكس السنوات السابقة التي تسمح بتقديم طلب مستقل لكلا البلدين، وهنا شعرت أن باب السماء قد فُتح للاستجابة بتوقيت مصيري لتحقيق الهدف الذي تمنيته واجتهدت بالقدر لامتلاكه، فتغيرت الخطط حيث وُجدت الظروف التي تسمح بتطبيق الخطة البديلة بترتيب أبجدياتها، فكانت الأيام التالية لحدث القبول المشروط بمدة زمنية للسير بإجراءت القبول وانهائها قد جعلتني فراشة بيضاء تتطاير فرحا على زهرات الأحلام التي ستترجم لواقع، منحتني الدفء لمستقبلي حيث ضمرت بما فيه واقعي الآن والقادم، وسافرت لقاهرة المعز برفقة شقيقي أكرم عبر رحلة بحرية لمدة أربع وعشرين ساعة من ميناء اللاذقية السوري لميناء الاسكندرية حيث وصلت القاهرة بليل يوم الأربعاء العاشر من شهر تشرين الأول 1977، وكان الاستقبال المميز من قبل شقيقي كريم وأصدقائه على مقاعد الدراسة في جو طبي يخبرك بأن المستقبل حكر للمجتهدين والمواظبين، وبعد استراحة طعام وسلام أخبرت الربع بأنني قادم لدراسة الطب فقط، ليلة مفصلية ساهمت بحصر تصميمي خصوصا أنني أمتلك قبولاً آخر بكلية الطب، لكن الفرحة توشحت بظلام عند مراجعتنا للسفارة الأردنية في اليوم التالي وأخبرونا أن أوراق قبولي قدأرسلت لكلية طب جامعة اسيوط بصعيد مصر، لتتقاطع الأمنيات وتختلط الأوراق من جديد، وبالرغم من توسلنا لصاحب القرار في السفارة وشرح ظروفنا بضرورة المساعدة بنقل ملفي لطب القاهرة، إلا أن جهودنا قد فشلت لأسباب ليست متعلقة بالتحصيل العلمي أتذكرها جيدا عبر المسافة الزمنية الشاسعة ولكنني مصمم على عدم نطقها.
بالنتيجة فأنا أمام أمر واقع للاختيار بين الدراسة بجامعة القاهرة في كلية الهندسة أو الدراسة في كلية الطب بجامعة أسيوط، وفي تلك الفترة من حياتي بحساسيتها وتأثيرها أدركت درسا مهما في الحياة أحاول جاهدا بتقديمه نصيحة لأبنائي وطلابي ومعارفي بأن الارادة والتصميم كفيلان بترجمة الطموح ضمن أصول نظريات التطبيق والمعرفة، حيث ابتسم شقيقي كريم وأخبرني بأن أجهز نفسي للدوام الجامعي بكلية الطب في جامعة القاهرة ونظرت اليه بتمعن حيث نطقت عيوني بدمع الفرحة والخوف، ولكنه كان مطمئنا أن رضى الوالدين قد سهل أمر دخول الشقيقين للكلية ولذات السبب سوف تتبلور الأمور بقبولي إما محولا من كلية الهندسة أو منتقلا من جامعة لأخرى بنفس الكلية، رحلة عذاب بدأت من جديد بسبب تزامنها مع زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للقدس الشريف حيث اختلطت أوراق السياسة العربية وارتفعت وتيرة الخطاب العربي، فظهرت للسطح خطابات العداء والتهديد ليولد من رحم الأحداث المستجدة أمر استحالة تحقيق الحلم على المستوى الشخصي، فتجمدت المعنويات لفترة وبدأت أجلس مع ذاتي عندما أسرق جزءاً من الوقت الانفرادي بين دخول غير مستحب لكلية الهندسة على أمل بدأ بالتبخر وبين عودة للوطن لاعادة امتحان التوجيهي على أمل تحقيق معدل أعلى غير مضمون النتائج، وبالرغم أنني قد عشت تلك اللحظات ولكنني أنكرتها أمام شقيقي اللذين ذللا كل الصعاب الحياتية وتحقق الهدف على أرض الواقع بالانتقال لكلية الطب بجامعة القاهرة تجسيدا للحلم ونتيجة للتصميم حيث كنت مواضبا على الحضور منذ اليوم الجامعي الأول بالسنة الأولى التحضيرية بمسماها وتقدمت للامتحان النهائي ونجحت بتقدير يوازي الجهد والأداء ليبدأ مشوار الدراسة الفعلي بسنواته وأيامه وللحديث بقية.