ذات يوم ذهبنا إلى سوريا، قبل الحرب وقبل الدم.. وقبل كل هذا الدمار، وأنا بطبعي... كلما ذهبت مررت على السوق الحرة السورية، ليس فقط لشراء الشوكلاته والعطور... بل لأستمع للهجة الشامية حين تنطلق من أفواه النساء.. وأحاول أن أنسخها في ذهني، حفظت كل الجمل الشامية الرشيقة... حفظت: (شوبنا ..بنوب أخي بنوب...ما بيحسن، ليكو ليكو عمو مصطفى..الخ).. ما أجمل تلك اللهجة، لو أن نزار قباني كتب.. بدلع البنات في دمشق لكان شعره أبلغ من الفصحى، على الأقل دلع البنات.. أقوى في القلب من الوزن والقافية والتشبيه الصريح.
وذات يوم جاءت سلمى مع أمها، دخلوا إلى السوق الحرة.. وكانت الأم على عجلة من أمرها، وسلمى تغني.. وقد لفتت انتباه كل المتسوقين، أما الأم فكانت مثل شجرة لوز تورد الحب عليها مؤخرا، وسلمى مثل الشام.. كل جدار فيها يفيض بالحب.
اشترت الأم حاجياتها على عجل، وخرجوا.. وفي لجة الزحام والناس، سقط حذاء سلمى على المدخل، وجدته أنا وأخبرت رفاقي بأنه حذاء الطفلة التي كانت تغني ولفتت انتباهنا.. وصديقي مصطفى قال لي: إنه شاهد سيارتهم وعرفها.. وربما سنلحق بهم على الطريق.
خرجنا وكلي أمل بأن نلحق بالسيارة، ونرد لسلمى الحذاء، أسرعنا قليلا وكنا نتفحص كل سيارة نعبر عنها، ولكننا للأسف وصلنا دمشق ولم نتمكن من العثور عليهم، وظل حذاء سلمى معي.. ظلت فردة واحدة من الحذاء، وأنا لا أعرف لماذا احتفظت بها.
عدنا بعد يومين، وحين أخرجت أمتعتي، وجدت الحذاء معها.. لم أجرؤ على التخلص منه أو رميه، تركته في غرفتي.. وقلت في داخلي لابد أن الأم الان تبحث عنه.. ولا بد أنه الحذاء المفضل عند سلمى.
مضى على تلك الحادثة، ما يقارب الـ (16) عاما، وكلما ذهبت إلى دمشق أخذت معي الحذاء لعلني أجد سلمى...
مازال الحذاء معي، وحين أزور دمشق مستقبلا.. سأعبر به أيضا وأنا أعرف أن سلمى كبرت ولم تعد تحتاج له.. لكني سآخذه معي فقط لأني أؤمن أن فتح المعبر.. لايعني عودة العلاقات وعودة شريان الحب فقط، ولكنه يعني ببساطة شديدة أن: حذاء سلمى انتصر على النسيان وعلى الإرهاب.. نعم حذاء سلمى انتصر.
Hadi.ejjbed@hotmail.com
سلمى والمعبر..
10:45 17-10-2018
آخر تعديل :
الأربعاء