كتاب

المأزق الوطني وخاصرته الرخوة..!

عاملان أساسيان لعبا دوراً بارزاً في ما يواجهه الأردن من صعوبات اقتصادية، وجعلا خاصرته رخوة؛ الأول: فشل الإدارة العامة في إدارة مال الدولة. والآخر: ضغوط اقتصادية تمارس على المملكة لأهداف سياسية.

وأي أسباب أخرى، هي بالضرورة، تدور في سياق هذين العاملين، ولا تغادرهما، وإذا ما توافقنا على ذلك، فمن السهل أن نقيّم المشكلة، أو المأزق، ويصبح متاحا تحديد إطار الحل وعناصره وآلياته.

في الشق الأول: إدارة الدولة للمال العام، عندما يقول نائب رئيس الوزراء الدكتور رجائي المعشر لنقباء النقابات المهنية أن الأزمة بدأت تتراكم منذ العام 2004 نتيجة التوسع في الإنفاق، فإن ذلك يعني أن الأزمة الاقتصادية التي انفجرت العام 1989 وتمت معالجتها، عبر صندوق النقد الدولي، لم تكن كافية لتصحيح المسار الاقتصادي ومنع الانزلاق مرة أخرى لأزمة مشابهة.

بمعنى أن الواقع الاقتصادي الذي تعافى، ولو نسبيا، حتى العام 2004، انتكس عندما أخذت الحكومات المتعاقبة تتصرف وكأن الأزمة لم تكن قد حدثت، وأخذت تنفق، وتتوسع بالإنفاق، وكأن المال لا ينتهي.

هذا النوع من الإنفاق، يعني، في العادة، توسّع الفساد بأشكاله المختلفة، وتوسع المديونية الداخلية والخارجية، وترهّل القطاع العام (...)، ولأن الحسابات الدقيقة لم تكن متوافرة، والاستفادة من درس الأزمة المالية كانت منعدمة، فقد وجد الأردن نفسه، مرة أخرى، في أزمة اقتصادية أشد وطأة، وأكثر تعقيدا وتأثيرا على استقراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ولو أن الإدارة العامة كانت حصيفة الرأي، وعميقة التفكير، في كل السنوات السابقة، لربما تحسبت للمستقبل، وما كانت ذهبت في الإنفاق المنفلت وغير المنضبط الذي عظّم الأزمة وفاقمَها إلى هذا الحد المأساوي مع تقديرنا أنها اضطرت في ظرف ما إلى بعض الإنفاق، إلا أنه كان بإمكانها تقييده.

عمليا، مهدت الطريقة التي أدارت بها الدولة مالها واقتصادها، للعامل الأساسي الثاني (الضغوط الخارجية)، وأوجد لها أرضية خصبة، وجعل للدولة خاصرة رخوة، مكّنت دولا من استغلال حاجة الأردن للمال لابتزازه سياسيا.

ونلحظ في العامل الأساسي الثاني: الضغط الاقتصادي لغاية سياسية، ان هذا الضغط ما كان له أن يجد أرضيته للنفاذ لو أن اقتصاد الدولة مستقر، وقادر على الاستمرار بقدر معقول.

فمن المعروف أن الاقتصاد أداة السياسة، ودولة مثل الأردن لعبت معه الجغرافيا لعبتها، ووضعته في قلب أزمات العام العربي، وأزمة القضية الفلسطينية تحديدا، والأخيرة جعلت دولا مثل أميركا و»إسرائيل»، وللأسف دولا عربية أيضا، تنظر إليه كساحة حل لمعضلة «إسرائيل» الجغرافية والسكانية.

إذ تحاول هذه الدول، عربيها بغربيها، أن تفرض على الأردن القبول والإقرار بالقدس عاصمة للكيان، وشطب حق العودة، والقبول بالكونفدرالية، وهي كلها مطالب تعني تصفية القضية نهائيا وشطب فكرة إقامة دولة فلسطينية.

الأردن، وعلى رأسه الملك، يقاوم بشدة هذه الضغوط المندفعة لتسوية القضية، أو للدقة تصفيتها، ويصر في كل مناسبة ألا بديل عن إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، يقاوم وهو يدرك جيدا أن الاستثمار الخارجي في أزمته المالية قائم على معادلة الانفراج الاقتصادي بالخضوع السياسي.

ويجب أن نضع بحسابنا أيضا، أن ما فاقم الضغط على الدولة هو التوازن السياسي المعقول الذي أدار به الأردن موقفه من قضايا الإقليم: سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، تركيا، إيران، ومن الأزمة الخليجية البينية، فهذا التوازن النسبي لا يمكن أن يرضي أطرافا إقليمية، ولا يجعلها صديقة للأردن، فكل طرف يريده منحازا له بالكامل ولو على حساب مصالحه.

بواقعية تامة، الأردن، الآن، تُرِك مكشوف الظهر، عربيا وإسلاميا، ترك مكشوف الظهر، سياسيا واقتصاديا، فلو أن العرب لديهم الالتزام الصادق تجاه القضايا العربية، ولا يساوم بعضهم عليها، لكان الغطاء السياسي والاقتصادي للأردن متاحا ولساعده في أن يستمر، قويا وصلبا، في مواجهة الضغوط.

إن قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ليست مسؤولية فلسطينية- أردنية فقط، فالأصل إنها قضية عربية وإسلامية، قضية حق وحقوق، ملزِمة للعرب والمسلمين سياسيا وإنسانيا وقانونيا، لا أن يُترك الفلسطيني والأردن نهبا للاتجاهات والتوجهات الأميركية والإسرائيلية.

في المحصلة النهائية، نريد معالجة الخلل المالي والإداري في الدولة؛ نوقف الفساد، ونرشّد الإنفاق، نوقف الترهل، نجلب الاستثمار المجدي والنافع، نحسّن ظروف الناس الاقتصادية، ونفكر ببدائل غير جيوبهم، ونرسّخ العدالة.

كذلك نريد أن تواصل الدولة مقاومة الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارس عليها، وأن تستمر في تأكيد مواقفها الوطنية والعروبية والإسلامية تجاه القضية الفلسطينية، وكل قضية ذات صلة بالحقوق العربية.

لكن هذا يحتاج منا جميعا، دولة وشعبا، أن نوازن بين المواقف التي نريدها حفاظا على الحقوق العربية ووجودنا، والحالة الاقتصادية التي نتمناها، وبين الضغوط التي تمارس علينا لابتزازنا سياسيا على حساب مصالحنا.

إن أساس ذلك كله أن تعمل الدولة بصدق لاسترداد ثقة الشعب، فالوطن ووجوده لا تحميه إلاّ الثقة ووحدة صلبة بين مكونات الدولة، وأن لا تشغلنا خلافاتنا الداخلية عن الانتباه لما يحاك للوطن في الظلام.