كنت في دعوة على العشاء لأحد الأصدقاء في أحد مطاعم عمّان. كان بين الحضور من لا أعرفهم. كان الحضور من أفراد معظمهم مثقّفون متعلّمون والكثير منهم جامعيون لهم مكانتهم في الجسم الإقتصادي والإجتماعي. تناول الحضور أحاديث كثيرة خاصّة(ثنائيّة الوشوشة) فيما بينهم. فعند اللقاء لا يحسّن لا يرغب لا يحبّ لا يحبّذ معظمنا فنّ الحديث العام في الشّأن العام من وإلى العموم- خاصّة ان كان الحديث يتعلّق بفعل»ضرب يضرب، فهي تضارب وضرائب.. ضارب ومضروب»- لا حديثًا ولا.. أصغاءً. معظم أحاديثنا وسط جَمعة(على خير, أو..) تكون بينيّة بين اثنين/اثنتين بمجرّد أن يلتقيا ولو افترقا قبل ساعة. أحاديث الوشوشة البينيّة (للبعض الكثير منّا) في هذا الاوان تدور حول: صفقة ستمرّر أو لن تمرّر، مشروع يعدّ ويعرض أو لا يعرض، ربّما جَلد هذا أو ذاك، أو طلب النصح في أمر أو معروف أو وساطة أو..عتاب، ربّما استغابة ونميمة من قاع الدّست.
كثيرًا ما يختار المدعوون من يجلس إلى جوارهم بالإتّفاق فيما بينهم عن قصد, عن سبق إصرار وترصّد، إلّا إذا تدخّل المضيف بغرض التّعارف، أو لم يسعف الأمر الواقع الإثنين أو جاء الوضع...عفويا، وقد(ظننت)أنّ ترتيب الجلوس بيننا في ليلتنا-اللّي ما تتسمّى- هذه كان(عفويًّا). بعد انفضاض سامر الجلسة، وخلوا الأطباق من وافد جديد، وقفنا تبادلنا تحايا الوداع و..إلى لقاء. شكرنا مضيفنا على كرمه، ومضى كلّ في...طريق(رحم الله السّت أمّ كلثوم والخيّام).
في صبيحة اليوم التالي و..على الرّيق، هاتفني صديقي صاحب الدّعوة متسائلًا عن سبب صمتي طيلة السهرة، ومسمرة أنظاري في سقف المطعم بخلاف العادة، سألني عن سبب اعتصامي بالسكوت. ضحكت عابسا وأجبته. ضحك قرقر قهقه شهق وغاب هنيهة حتى قلت أنّه(فَطَس). قلقت عليه. عاد إليّ، طمأنني أن غيبته كانت لأنّه(استلقى على قفاه)من الضّحك.
قلت له فيما قلت: «ألسبب بسيط يا صاحبي: جاء جلوسي بين إثنين لا أعرفهم، أكنّ لهما الإحترام، وهما على طرفي نقيض. كالليل والنَّهَار، كالنار والماء. الجالس إلى يساري مقلّ في الكلام الى حدّ خانق مطبق مقلق محبط ومملّ حتى ظننته أبكمًا. لا يردّ لا يصدّ لا يسمع ولا يقشع. والجالس إلى يميني، يا ويحتاه ومصيبتاه، من الجالس إلى يميني: جبلٌ، أطنان، كمّ هائل...من كلام. بركان هادر ثائر إندفعت منه الّلاڤا- لاڤا الكلام(سوائل نيرانه)بسرعة هائلة ففقد السيطرة عليها. لم يعد يتحكّم بلسانه ولا حلقه، لم يرحمها...لم يرحمني حتى شكا منه الكلام. ماكينة، إذاعة، قطار مندفع لا يُتوقّف صفيره ولا هديره، ضوضاء في عرض مستمرّ. هذا...ألهذا: لا يعرف السّكوت أو(بلع)الرّيق. أوتار حنجرته الحزينة لا تكلّ عن التّوتّر ما بين شدّ وشدّ وضرب وجذب، هي في حالة طوارئ طيلة السّهرة. قاتلي هذا الذي لا يعرف السّكوت، الذي يرسل ولا يستقبل،لم أجد بين أنفاسه فسحة أدخل منها إليه أو يُفرح حرف واحد منّي بالتقاط أنفاسه فينطلق. عليه, فقد صمتّ ف(لا خبيز لي) لا خيار في الكلام، مرغم أخّ ااك...لا بطل. أنا كغيري من البعض الكثير: (أعشق الكلام)...وهل لدينا غيره؟!.
أصابني يا صاح...رهّاب كبير من عدم التوازن، فالأذن اليمنى كانت قد امتلئت فطفطفت وطفّت، والأذن اليسرى جوفاء فارغة لم تسترزق بحرف واحد(يخزي عين ابليس) وبين هذا وذاك نشطت الأذن الوسطى في غياب التوازن بين الأذنتين فتغوَلت. فعلت فعلتها وسيطرت عليّ، لعبت بي. (روّحت)مدروخا أعرج، فالثقل على يمنيي كان كبيرًا بخلاف يساري. فبين اليمين واليسار(في الجسد...أيّ جسد)بون شاسع كبيييير. لا يستقيم، لن يستقيم الّا بالتوازن بالتّفاهم بينها وألّا فسيصبح، وسيبقى...(أعرج).قصر الكلام...هذا ما حصل.
شهق صاحبي، سعل صاحبي،تلعثم،لم يرأف بحالي.»كان...قد خطّط للأمر». هو...(التار)!! الثأر لدينا لن يضيع، لا يضيع ولو بعد سبعين عاما...اسألوا مجرّب؟!