بقدر الكدّ نكتسب المعالي
ومن طلب العُلى سهر الليالي
بين يدي كتاب نفيس في مادته مؤلفته استاذة قانونية متميزة بجدّها وما حباها الله من موهبة وذكاء وقّاد استطاعت ان تتبوّأ أعلى المناصب في القضاء. حظيت بأن تكون أول امرأة تتولى القضاء في وطنها الأردن وهي من أسرة عُمُدُها قانونيون كبار. ولعلمها الغزير اختيرت للعمل في المحكمة الجنائية الدولية، فكانت أول عربية ترأس القضاء الجنائي الدولي بكفاءة واقتدار.
العين الأستاذة تغريد حكمت أهدت المكتبة العربية كتابها «القضاء علم وفن وفهم» وهو بحق كتاب يتحدث بموضوعية عن قيم وتقاليد القضاء على نحو فريد وبحسٍّ انساني.
تغريد حكمت صَدّرت مقدمة كتابها بهذه المفردات الممتلئة: «العدالة نوعان: عدالة السماء وعدالة الأرض. عدالة السماء مطلقة لا حدود لها، وعدالة الارض نسبية وَعُرضة للخطأ والصواب، والقاضي هو يد العدالة السماوية على وجه الارض» (المرجع السابق ص 11).
كلمات عميقة الغور واسعة الدلالات تبحث عمن يطبقها بشجاعة وجسارة في زمن كثر فيه التغول على الكرامة الانسانية للشعوب.
مؤلفة الكتاب حرصت ألا تمر مرور الكرام على تقاليد القضاء وأدبياته، بل تناولتها بمنهجية غير مسبوقة، تُحذر من الأخطاء قبل وقوعها، تفعل ذلك بعين لماحة متنوعة الاهتمام ترفدها ثقافة واسعة.
فن القضاء – في نظرها–يحتاج إلى دُربة. «لا يكفي أن يكون القاضي مُلماً ببعض المعارف القانونية» فحسب، هناك الخبرة والتأمل.
يشتمل الكتاب على خمسة أبواب هي: فن القضاء وآداب القاضي، رؤية لتطوير القضاء، مفهوم المحاكمة العادلة وضماناتها، العقوبات البديلة، وصور التعذيب بين الواقع والقانون.
ركزت المؤلفة على ضرورة أن يكون القاضي عادلاً، مستقيماً واسع الصدر متمكناً من العلوم القانونية، بعيداً عن السياسة «لأنه اذا دخلت السياسة حرم القضاء، خرجت منه العدالة».
وهنا أتساءل: هل الواقع العربي المعاصر بصفة عامة يطبق هذا الشرط؟
تغريد حكمت في كتابها تدعو إلى أن يواكب الاصلاح السياسي اصلاح وتطوير قضائي يساير التغييرات السريعة التي تحدث في العالم. منطق سليم لو تتم مراعاته اليوم!
إن التطوير القضائي – كما تقول–هو الذي يرسخ «ثقافة النزاهة». « إذا فقدنا ثقتنا بالقضاء فقدنا كل شي وانتقلنا من عالم تسوده قوة القانون إلى عالم يسوده قانون القوة وشريعة الغاب» (المرجع السابق ص 60). وما أشقى عالماً تسوده شريعة الغاب!
وللأسف فإن «ثقافة النزاهة» في عالم اليوم تبدو مُضطهدة حتى على المستوى الدولي، فالمعايير المزدوجة يتم فرضها من قبل جبابرة هذا العالم، وأكبر مثال على ذلك «القضية الفلسطينية» فالحق الفلسطيني في أرضه واضح وضوح الشمس، ومع ذلك يتم طمسه!
تتطرق المؤلفة إلى مفهوم «العقوبات البديلة» داعيةً إلى تفعيلها تجنباً لتطبيق «العقوبات السالبة للحرية». أما الهدف من «العقوبة البديلة» فهو «اصلاح المتهم وزجر الآخرين أي الردع العام والخاص».
وفي استعانتها بالشريعة الإسلامية تقول المؤلفة «وفي الشريعة الاسلامية نجد أنها عرّفت العديد من أنماط العقوبات والتي تقع في عصرنا الحديث تحت مسمى العقوبات البديلة، مثل «الكفّارة» عقوبة لاقتراف بعض الأنماط السلوكية مثل الإفطار عمداً في شهر رمضان والحنث باليمين والقتل الخطأ بصيام شهرين متتاليين بعد دفع ديّة الخطأ كعقوبة تعزيزية بديلة. (المرجع السابق ص 114).
بالطبع، العقوبة البديلة تقتصر على الجُنح والجرائم الصغيرة.
تغريد حكمت في كتابها تنتصر للعدالة الانسانية في أي بقعة من بقاع العالم. تطالب بِـ «أنسنة» هذا العالم المكتوي بالحروب والنزاعات. تدين «جرائم التعذيب» وتطالب بمحاكمة مرتكبيها. تراجيدياً قابيل وهابيل يجب ألا تتكرر!
جرائم التعذيب «تُناقض الإعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) الذي ينص في المادة الخامسة على أنه لا يجوز اخضاع أحد للتعذيب ولا المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الانسانية أو التي تمسّ بالكرامة».
وبعد، إن كتاب «القضاء علم وفن وفهم» الصادر حديثاً يعد مرجعاً للقضاة من أبناء هذا الوطن يضيء أمامهم الدروب إذا ما وقعوا في هذا الاشكال أو ذاك. يفتح العيون على أدبيات القضاء النزيه.
تغريد حكمت أنجزت كتاباً حضارياً بامتياز في مجال القضاء،» يرشد ويعلم ويُحصِّن، داعياً كل قاض أن يتحلى بالشجاعة وأن يكون «إنساناً» يطبق العدالة دوماً.
تغريد حكمت: قراءة حضارية في مفهوم «القضاء»
11:00 7-9-2018
آخر تعديل :
الجمعة