حالة من الردة الاقتصادية اخذت تجتاح ثوابت التجارة الدولية فالولايات المتحدة راعية التجارة الحرة في العالم والحاضن الاساسي لمنظمة التجارة الدولية والتي هي انجاز اقتصادي استراتيجي حققه العالم الحر بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار سور برلين، نقول ان هذا الانجاز الاقتصادي الاستراتيجي تصدع وبدأ بتآكل لا بل ان الاهداف والمبادئ التي وجدت من اجلها منظمة التجارة العالمية باتت مجرد احلام سقطت مع اول امتحان في العلاقة التجارية بين اكبر الرعاة الاقتصاديين للتجارة الدولية وهم الولايات المتحدة واوروبا والصين وروسيا.
ان اعلان تأسيس منظمة التجارة العالمية في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي كان بمثابة اعلان لعدة وجوه أولها انتهاء الحرب الباردة وتوقف العقوبات الاقتصادية بين أطراف الحرب الباردة وكذلك التخلي عن سياسة حماية الصناعات الوطنية والتوجه نحو الصناعات التصديرية وبالتالي هو اعلان لحالة حرية انتقال السلع والخدمات وانفتاح السوق الدولي وازالة كل العوائق من امام حركة التجارة الدولية، هذا الاعلان يبدو انه قد لفظ انفاسه الاخيرة على يد الدولة الاكبر التي سعت الى تثبيت اركانه، فاليوم نحن امام اعلان جديد بفعل تلك الرسوم التي فرضتها كل من الولايات المتحدة والصين على تجارتها البينية والتي تصل قيمتها الى (16) مليار دولار لكل طرف وبنسبة ضريبة تصل الى 25%.
فاعلان اليوم هو اعلان العودة والارتداد الى سياسة الحماية الاقتصادية المقرونة بالعقوبات الاقتصادية من كل من الولايات المتحدة الامريكية على كل من روسيا والصين ودول أخرى، والواقع ان هذا الارتداد الاقتصادي للانفتاح بعد أقل من ثلاثة عقود على اعلانه انما يحمل آثارا رئيسية على محورين هامين في الشأن الاقتصادي العالمي، اولهما انه يعتبر بمثابة اعلان فشل سياسة الحرية والانفتاح والتدويل وهذا يوازي اعلان فشل االمعسكر الاشتراكي في سياسته الاقتصادية في نهايات العقد الثامن من القرن الماضي، اما المحور الثاني فهو ان هذا الخروج عن ثوابت التجارة الدولية انما يعطي دفعة قوية لمنظمة شنغهاي والى منظمة البريكس للاسراع في استكمال عناصر ومقومات النظام الاقتصادي الدولي الجديد والذي بدأت ملامحه تتبلور في موضوع تأسيس البنك الدولي الأىسيوي للتنمية وفي اعتماد العملات الوطنية اساسا للتداول في استيفاء مستحقات التجارة الخارجية بين الدول الاعضاء وكذلك الاسراع في استكمال المشاريع العملاقة التي تربط بكين مع بطرسبيرغ ضمن حالة تشبيك اسيوية لمشاريع النقل لخدمة انتقال البضائع الى المياه الدافئة وتسهيل حالة انسياب النفط والغاز داخل الدول الآسيوية
ان قرار الولايات المتحدة بفرض رسوم على المستوردات الصينية وكذلك ردة الفعل الصينية بفرض ذات نسبة الرسوم على البضائع الاميركية المستوردة اضافة الى العلاقة التجارية المتوترة مع اوروبا وايضا مبدأ العقوبات الاقتصادية التي لازالت تصر على استخدامه الولايات المتحدة كورقة رابحة في يدها تجاه كل من يشق عصا الطاعة، نقول ان هذه الممارسات هي من المسوغات والاسباب التي لا بد وان ينتقل بموجبها الاقتصاد العالمي من ساحة تنافسية واحدة منفتحة الى مراكز اقتصادية متنافسة تدفع العالم برمته الى حقبة اقتصادية جديدة لا بد وان تفضي الى تعددية في النظام الاقتصادي وبالتالي تعددية في صناعة القرار السياسي الدولي.
رئيس غرفة التجارة الدولية
من الصناعة التصديرية إلى حماية الصناعة الوطنية
11:00 29-8-2018
آخر تعديل :
الأربعاء