ثقافة وفنون

الشاعرة العساف.. الحس الصوفي لرابعة العدوية

بدايةً فإني لا أعرف هذه الشاعرة المبدعة حقاً، لكنني قرأت لها أكثر من قصيدة في الرأي الثقافي، فوجدت شاعرة تخب في بحور الشعر العربي التي لا غنى له عنها، بحورِ العبقري الخليل بن أحمد الذي لم يَفْرِ فَرْيَهُ أحدٌ في هذا المجال.

يقول أبو العباس محمد بن يزيد المبرِّد النحوي صاحب كتاب "الكامل" في نقد الشعر :" وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبّه وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة ونبّه فيه بفطنته على ما يخفى عن غيره وساقه برصف قوي واختصار قريب" ص200 الكامل.

تقول الشاعرة مناهل:

مرّوا مرورَ كرام ليتهم وقفوا: لربما عرفوا في القلب ما اقترفوا

مروا تراتيل غفرانٍ على قلقي: فأسرجوا القلب نورَ الحق وانصرفوا

والقصيدة عنوانها: "مرور كِرام". وهي كما يبدو قد قيلت بمناسبة المولد النبوي الشريف. وأقول، لو أنها قالت: لربما علموا لكان ذلك أبين، ولكن الشعر يأتي كما يملي الشعور. ولقد دُهشتُ لما في هذه القصيدة من اقتباس من القرآن الكريم يدل على معرة بمواقع هذا الاقتباس، وعلى اطلاع واسع ومستمر على كتاب الله. فالقلق الذي تعاني منها الشاعرة هو قلق اليقين والإيمان، وليس القلق على الماديات كما قال المتنبي: على قلق كأن الريح تحني: تسيرني يميناً أو شمالاً ولهذا فهي تشكو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هذ االزمان المادي الذي يقترف كل المنكرات.

تقول:

أشكو إليك زماناً لست تشبهه: ما إن يرى منكراً إلا ويقترف

والشاعرة متمكنة من اللغة كما يدل الشطر الثاني من البيت. والناس في هذا الزمان يرون طغيانهم شرفاً لهم لأنهم يدّلوا الحق بالباطل وأنكروا الحق رغم معرفتهم به. وهي تقتبس من نور القرآن ولغته الكريمة. وفرقوا دينهم اديان واختلفوا.

ومن قصة طالوت حين مر بنهر الأردن قاصداً قتال جالوت في (عمّون)، وقد أمر طالوت جنوده بعدم شرب الماء من النهر إلا من اغترف غرفة (بفتح الغين) القاموس المحيط، ج3،ص18. تقول الشاعرة: "لا غرفة بيد الظمآن تلجِمُهُم: بل أشْرِبُوا فتنة عمياء واغترفوا.

هذا في صدر البيت، أما في عجزه فهي تقتبس من قصة بني إسرائيل في سورة البقرة من قوله تعالى: "وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم" البقرة آية 93. وفي البيت التاسع من القصيدة تقول الشاعرة مناهل :" لو أنهم فعلوا ما يوعظون به.....لكان خيراً لهم...." وهذه آية في القرآن الكريم تدل على سعة اطلاع ومعرفة بكتاب الله سبحانه وتعالى وإدمان قراءته.

لكن، كما تقول: أحاط شرار القوم صالحتهم (بفتح الحاء): إن البلاء حياة كلها أسف. ولها طائر ظمآن في عنقها يحتمي به وبظمأْ صبرُها وشرفُها. لله كم هي متمكنة من القرآن الكريم، وقلما تجد أمثالها في زماننا هذا فكأنما هي أخت رابعة العدوية أو عائشة الباعونية.فلا يهمها بُهرُج هذا الزمان، ولا غواياته الكثيرة.

وطائرها الظمآن هذا يحميه قول الرسول الكريم: " عند الحوض موعدنا" أي موعد المؤمنين عند الحوض يشربون منه شَربة لا يظمأون بعدها أبداً، وهو (طائرها) يرنو إلى الذي لا يذهب الحسنات، لأنها الشاعرة المؤمنة بالله التي تعرف حدود الإيمان ولا تتجاوزها، وهي العاشقة الكِلفة (التي أجهدت نفسها في حب الذات الإلهية وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي إذن تشبه رابعة العدوية الصوفية متيمةً بحب الله ورسوله كلما وصفت ذاته العلية تقول عاشقة الإله والرسول: خذ من عيونهُم دمعاً تطهرهم: صلى عليك فؤادي كما ذرفوا ، فهي شاعرة تعرف مواطن الاقتباس جيداً، كما ذكرنا آنفاً، فمن قوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" قَبَسَت واقتبست نور بيتها هذا، وتظل تقتبس ألفاظها من القرآن الكريم في معظم أبيات القصيدة ، مثل: مُدّ الصراط، وقيل ذوقوا عذاب النار، والظالمون إلى أبوابها قُذِفوا، إلا أنها استخدمت لفظة " يَهِفُ " في غير موضعها. والهيف (بسكون الياء( هو شدة العطش، ويقال هاف العبدُ يَهافُ: إذا أَبَقَ (بفتح الثلاثة). تقول: ولا حبيب إذا ناديته يَهِفُ. وخلاص أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: "يا ربِّ سَلّم أمّتي" الذين أخبتوا لله وسلموا أمرهم إليه.

ومن يشفع لأمته يوم القيامة غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم فشفاعته عتق من النار ينجي أمته. وتتمنى الشاعرة أن يكون لها لقاء مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في ظل عرش الرحمن، وهي في غرف فوقها غرف في اقتباس لها من الآية الكريمة عن المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى: " لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ". ويظهر حب النبي صلوات الله عليه وسلامُه في تلك الصحف التي تنشر يوم القيامة وفيها تظهر كوامن النفوس في الدنيا لمن كان حبها صادقاً أم لا. تقول:

وحبك الأمل المرجو إن ظهرت كوامن الناس ما نشَرت صحف

وهي دائماً في شوق إلى النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام في كل ذكرى ميلادٍ له لأن قلبها يبكي قبل عينها فيذرف الدمع قبلها. تقول الشاعرة:

مَرّوا.... وما مرت الذكرى وما عبرت إلا وفي القلب دمعاتٌ... وتنذَرِفُ.