1 1
أبواب

عبد المنعم السباعي.. جنرال من زمن القلوب الحائرة

المنسي في الغناء العربي

أبواب - زياد عساف

من طبيعة الانسان، نسيان اغلب ما يمر على حياته من مثيرات وحواس، ربما كانت تدغدغ مشاعره وابداعاته او شكلت شخصيته العاطفية او الانسانية والحضارية.

..والغناء العربى الحديث والقديم، تكون من استعراض وأداء ألحان مختلفة ومقامات موسيقية تنوعت عبر شخصيات الغناء العربي ورموزه في مجالات الغناء والتلحين والتوزيع والموشحات ومختلف الاشكال الموسيقية الشرقية والعربية الاسلامية.

ان البحث في المنسي من تراث الاغنية العربي، هو نبش في القوالب الغنائية القديمة، التي باتت مع جهود مبدعيها منسية الى حد ما.

الباحث والكاتب زياد عساف ظل يقلب ما نسي من الرموز والاغاني والحكايات وخص ابواب - الرأي بثمرات جهودة التي تنشرها منجمة كل ثلاثاء في هذا المكان من الملحق حيث سيتم طباعته على اجزاء في القاهرة.

لقد ارتقى الغناء العربي مع ظهور الحركة القومية العربية فى مواجهة الثقافة التركية السائدة على يد الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب وعبده الحامولى ومحمد عثمان، عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وطروب وفيروز وام كلثوم كما لحن وابدع جماليات حياتنا وفنوننا امثال: سلامة حجازى وابراهيم القبانى وداود حسنى وأبو العلا محمد وسيد الصفتي محمدالقصبجى وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمود صبح ومحمد عبد الوهاب، ورياض البندك وجميل العاص ومحمد القبنجي وغيرهم كثر.

”فاقد الشيء لا يعطيه”، مقولة اّن الاّوان لإعادة النظر بمضمونها بعد أن أثبتت وقائع كثيرة عكس ذلك، ولعل في تجربة الكثيرين على صعيد الأداب و الفنون ما يلغي مثل هذه المسلمات التي أصبحت أشبه بقانون فيزيائي يحدد مسار حياة الأفراد، فبالرغم من الحرمان العاطفي الذي عاشه العديد من المبدعين إلا أنهم نظموا أجمل الأشعار الرومانسية التي تنشد للحب و الجمال و ترتقي بمشاعر الناس ، وفي زمن الإنكسارات التي عايشوها، لم يستسلموا أيضاً للهزائم التي حلت بالأمة وراحوا يستنهضوا بأغانيهم الهمم و يحييوا الأمل بالإنتصار، وأي نموذج أقرب لهذه الصورة من مسيرة حياة عبد المنعم السباعي، الذي ما كان ينتهي من بث مشاعره الجيَّاشة على الورق حتى يتسابق أشهر المطربين و المطربات للتغني بما صاغه من كلمات، ومع ذلك بقي في الظل حتى بالكاد الحصول على صورة شخصية له، فغابت ملامحه عن الذاكرة كما غابت اعماله، وهو من تغنى بكلماته عبد الوهاب و أم كلثوم وعبد الحليم و سعاد محمد ومحمد عبد المطلب و نجاة الصغيرة والكبيرة أيضاً وغيرهم كثيرون.

قلوب حائرة..

في مدارس طنطا التي ولد بها عام 1918 ، تابع عبد المنعم السباعي مرحلة الدراسة بدءاً من التعلم على يد شيخ الكتَّاب ثم المرحلة الإبتدائية ولغاية حصوله على البكالوريا عام 1944، والتحق للدراسة بالكلية الحربية وتخرج منها برتبة ملازم ثانٍ عام 1948، ليكون واحداً ممن عاشوا النكبة التي أدت لضياع فلسطين تلك الفترة، وكانت واحدة من الأسباب التي دفعته للإلتحاق بتنظيم الضباط الأحرار في مصر ومن المساهمين في ثورة يوليو 1952.

من أشار على السباعي بالإلتحاق في الجيش ، لم ينتبه للمواهب و الميول الأخرى التي تمتع بها و على الصعيد الأدبي تحديداً ، فلقد استطاع أن يوظف هذه القدرات بالإتجاه الصحيح وتمثل ذلك بعمله محرراً في مجلة روز اليوسف في أواخر الأربعينييات ورغم التحاقه بالجيش المصري ، حتى غدا من الأعضاء البارزين في اتحاد كتاب مصر و نادي القصة وعضواً في جمعية المؤلفين و الملحنين بالقاهرة ، ومن بين القصائد التي كتبها: مع الإنسان ، لا أحد ، يا حبيبي و أحبه ، بالإضافة لقصة: لا الحب و مجموعة قصصية بعنوان: كؤوس الشقاء إصدار مطبوعات روز اليوسف.

بالفترة التي تولى بها صلاح سالم وزارة الإرشاد القومي ، أوكل للسباعي الإشراف على مكتب الشكاوي في الإذاعة المصرية لمدة ثلاث سنوات ، وفي صحيفة الجمهورية التي كان يرأسها أنور السادات أشرف على باب–قلوب حائرة ، و مهمته أن يتلمس الحلول لمشاكل العشاق و المغرمين التي كانوا يبثونها له في رسائلهم الموجهة لهذا الباب ، في الوقت الذي كان يعيش قصصاًعاطفية جعلته في حالة من الحيرة و الوجد و هو الأحوج لمن يستمع لشكواه و يرشده للطريق الصحيح.

في أواسط الستينييات واجه خلافات مع المسؤولين من ضباط الثورة ، واكتفى بالعمل من خلال الصحافة وبدأ يبتعد عن الحياة الأدبية و الفنية و حصل على وسام الجمهورية 1964 ، واعتزل بعدها الحياة العامة لسنوات عديدة لغاية وفاته عام 1978.

سمارة..

الدراما الإذاعية و السينمائية تشهد للسباعي بتميُّزه في هذا المجال ، وعند الحديث عن المسلسلات الإذاعية التي كان يتابعها الناس بشغف في البلاد العربية ومن خلال الإذاعة المصرية لدرجة خلو الشوارع من المارة وقت البث ، لا يمكن تجاوز المسلسل الشهير–سمارة–عام 1955 لنجوم الدراما وقتها ومنهم محسن سرحان و توفيق الدقن و سميحة أيوب و إخراج يوسف الحطاب ، وحقق السباعي من خلاله شهرة واسعة دفعته لتقديم مسلسلين إذاعيين اّخرين من وحي القصة نفسها وهما: عودة سمارة و سمارة بنت أمارة ، استثمر المنتجون السينمائيون هذا النجاح و تعاقدوا معه على تحويل القصة للسينما بفيلم يحمل نفس العنوان أيضاً: سمارة انتاج عام 1956 ، وكان دوره بكتابة حوار الفيلم الذي مثَّل به مجموعة من النجوم ومنهم تحية كاريوكا و محسن سرحان ومحمود اسماعيل و إخراج حسن الصيفي ، والجدير بالذكر أن هذا الفيلم تم إعادة إنتاجه للسينما عام 1988 بعنوان: نواعم لمحمود ياسين و فريد شوقي و شهيرة ، من إخراج إبنه مدحت السباعي الذي أراد أن يستعيد ذكرى والده بهذا العمل.

خبرته العسكرية التي اكتسبها من خدمته في الجيش المصري وظفها للكتابة بمجال الدراما السينمائية ، تمثل ذلك بتأليفه لقصة فيلم: اسماعيل ياسين في الجيش 1955 وشاركه بالتأليف سامي داود ، برز أسلوب السباعي في مجال الكوميديا الممتعة و المشوقة من خلال الشخصيات التي رسمها بهذا العمل ، وقام بأداءها نجوم السينما وقتها مثل سميرة احمد و عبد السلام النابلسي و رياض القصبجي ، كان هذا الفيلم أشبه بالقوة الناعمة التي تصوِّر أهمية و دور الجيش المصري و تنقل الصورة التي يتمتع بها من الإنضباط و تقدير الدور الذي يقوم به أفراده من ضباط و مجندين ، لدرجة أن هذا العمل شجع العديد من الشباب وقتها للإلتحاق في صفوف القوات المسلحة المصرية ، عزز من نجاح الفيلم أن مخرجه فطين عبد الوهاب كان أيضا ضابطاً في الجيش المصري ، وفي نفس السياق كتب عبد المنعم السباعي قصة فيلم: طريق الأبطال 1961 للمخرج محمود اسماعيل ، ويتحدث عن قصة كاتب التحق كضابط في الجيش أثناء حرب فلسطين و شارك به شكري سرحان و هند رستم و عماد حمدي.

إنده على الأحرار..

150 أغنية كانت حصيلة ما أبدعه السباعي ، ومنها ما يعتبر في مقدمة الأغاني الوطنية و العاطفية التي تحتفظ بها مكتبات الإذاعة في مصر و البلاد العربية ، وكما انعكست خدمته في الجيش على بعض الأعمال الدرامية السينمائية ، كان من الطبيعي أن يلمس المستمع ذلك في مجموعة من أغانيه الوطنية التي نظمها تأثراً بأحداث سياسية ووطنية عاشتها مصر بفترة الخمسينييات و الستينييات من القرن الماضي.

” تسلم يا غالي ” واحدة من هذه الأغنيات التي كتبها متأثراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في المنشية بالإسكندرية عام 1954 وخص بها الموسيقار عبد الوهاب ، والذي غنى من كلماته أيضاً: إنده على الأحرار في عيد الثورة المصرية ، و كتبها بأسلوب بسيط و مختلف جامعاً بين الحس الإنساني و الوطني و نتمثله بصوت موسيقار الأجيال وهو يردد:

مهما يزيد الشجن ولّا يطول الأنين

إضحك وقول للزمن الدنيا دامت لمين

الحر لو طال شقاه يصبر ما يتألم

ولا عمره بيقول اّه ولا عمره بيسلِّم

دي حكمة الله في اّية لكل ظالم نهاية

مهما يكون جبار إنده على الأحرار.

وغنى له عبد الوهاب أغنيات وطنية أخرى ومنها: يا مصر تم الهنا و أنشودة يا مصر زيك ما لقيت مثالك ، ومن أغانيه الوطنية أيضاً: الدم ما يهونش لفريد الأطرش ، أغلى ثورة هدى سلطان ، بلادنا حلوة قوي النهارده و شدت بها نجاة الصغيرة احتفالاً بعيد الجلاء 1956 ، بالإضافة لأغنية عشنا وشفنا كتير التي أبدعها لحناً الموسيقار رياض السنباطي وعبر بها السباعي عن انتمائه القومي بهذه الأبيات:

إبن العرب للعرب الدم مش ميَّه

والبعد لو له سبب القرب له ميِّه

في كل جيل و مكان طول عمرنا إخوان

وبالكفاح و العمل والصبر ويا الأمل

مجد العرب يكبر عشنا وشفنا كتير

وبكره نشوف أكثر.

لايق عليك الخال..

خلف الزي العسكري كانت تكمن مشاعر جيَّاشة عبر عنها السباعي بروائع من الأغاني العاطفية ،خص منها عبد الحليم بأغنيتين لحنهما محمد الموجي وهما: خليك يانور العين معايا و لايق عليك الخال وهي أغنية نادراً ما تبثها محطات الإذاعة ومن كلماتها:

لك خال على خدك مين في الجمال قدك

شاغل قلوب في هواك بين الملاح نادر

وانا اللي مش قادر قلبي في يوم ينساك.

على عكس الكثيرين ظلت المعلومات المتوفرة عن حياته الشخصية و الإجتماعية قليلة ، يبقى المتاح بتقييمه كأنسان من خلال أشعاره المغناة ، والتي تعكس مدى ارتباطه بالحياة الشعبية وسعيه للتعبير عن أحلام و اّمال هذه الفئة من الناس باستخدامه للتعابير العامية البسيطة المتداولة بينهم ، وكان موفقاً باختياره لأهم المطربين و الملحنين الذين أوصلوا بصوتهم وأنغامهم الرسالة الإنسانية و الفنية التي يسعى اليها ، ومنهم محمد قنديل وكان صاحب النصيب الأكبر من هذه الأعمال ومنها: قولولي اعمل ايه وياه الحان حسين جنيد ، ياللي انتم خلاني و بقيت في الهوى الحان فؤاد حلمي ، ياللي جمالك عجب لحن محمد فوزي ، كل يوم تخلف ميعادك الحان عبد المنعم البارودي ، زعلوا الأحباب الحان منير مراد ، تلات سلامات الحان احمد عبد القادر ، بعدين وياك الحان رؤوف ذهني ، ومن نظمه أيضاً غنى محمد عبد المطلب: بياع الهوى راح فين الحان محمود الشريف ، نجاة الصغيرة: ياهاجر بحبك و يا سلام عليك الحان رياض السنباطي ، قلبك راح فين الحان كمال الطويل ، فايدة كامل: عشان خاطرك الحان محمود الشريف ، عادل مأمون: ليه يا حبيبي تلوَّع فيا الحان محمود محمد كامل ، شريفة فاضل :ياحلو فهمنا الحان فؤاد حلمي ، شهرزاد: انت كده الحان عبد العظيم عبد الحق ، عبد اللطيف التلباني من غنائه و الحانه: حلاوتك يا سماره ، هدى سلطان: كان أملي أحبك الحان رياض السنباطي و اّه يا أنت الحان بليغ حمدي ، فايزة احمد: عمرك والله ما هنت عليا الحان رؤوف ذهني و عايزني إيه اقولك تاني الحان رياض السنباطي ، ومن البلاد العربية غنت له نجاح سلام: ايه الحكاية ، و سعاد محمد: انت فاهم و بقى انت كده ، ومن تأليفه نظم مجموعة من الأغاني الدينية ومنها :شهر الصيام لنجاة الصغيرة و مدد يارسول الله للمطربة نجاة علي.

أروح لمين ؟!

” عملتي إيه في السباعي ؟! ، سوأل لا يخلو من المداعبة و جهته أم كلثوم في أحد الأيام لسمراء النيل مديحة يسري التي هام بها السباعي حباً، وكان ردها: يعني أطلق من فوزي و اتجوزه ! ، لينتهي هذا الحوار الضاحك بينهما ، في الوقت ان الشاعر الولهان كان يعاني من مرارة حبه ومشاعره تجاهها والتي لم تكن خافية عليها و على الوسط الفني عموماً، حتى زوجها الفنان محمد فوزي فراح يكتب لها أجمل الأغنيات وبأصوات العديد ممن ذكرناهم.

” أروح لمين ” كانت من أهم و أجمل الأغنيات التي كتبها لسمراء النيل وغنتها أم كلثوم التي كانت تعلم مدى حبه لها من خلال الحوار السابق بينهما ، و أكدته مديحة يسري ذلك للإعلامي محمود سعد في اللقاء الذي جمعهما معاً في برنامج: مصر النهارده ، وعاد وتطرق له سعد ببرنامج باب الخلق ، و ذكر أيضاً أن أغنية عبد الوهاب: أنا و العذاب و هواك التي كتبها السباعي كانت لها أيضاً ، في محاولة أخرى منه للتعبير عن مشاعره تجاهها و رشح عبد الوهاب ليغنيها إلا أنه لم يكملها ، عندها لجأ موسيقار الأجيال لحيلة ذكية بتوجيه دعوة لمجموعة من الفنانين في بيته ، و أوصى مديحة يسري وقتها بأن تستقبل السباعي عند حضوره بجفاء بهدف إثارة مشاعرة التي ستؤدي حتماً لإكماله بقية الأغنيه ، وهذا ما قد كان وتوجه السباعي بعدها للبيت و هو بغاية الإنفعال ليكمل الأغنية بهذه الكلمات المعبرة:

عيني على عيونك و الرمش في جفونك

قادر و ظالمني

عينيك بتتكلم و الرمش بيسلم

وانت مخاصمني

وفي كل نظرة شايف غرامك

ولا قلت مرة سبب خصامك

اّخرتها إيه وياك ياللي انت ناسينا ؟!

جميل و اسمر..

هذا النوع من الأعمال يقود للإستنتاج أن المحبة من طرف واحد أدت لاستثارة المشاعر المكنونة لدى العديد من الشعراء ما أدى لكتابة أجمل الأغاني العربية ، ومن هذه الحالات طبيعة المشاعر التي كان يكنها احمد رامي لأم كلثوم ومن طرفه فقط وغنتها أم كلثوم وهي تعلم حقيقة مشاعره تجاهها خاصة وهو يناجيها في واحدة من أغنياته:

ح افضل احبك من غير ما أقولك

إيه اللي حيَّر افكاري

لحد قلبك ما يوم يدلك

على هوايا المتداري.

وهذا ما ينطبق على حكاية كامل الشناوي مع نجاة الصغيرة كما ذكرتها العديد من المصادر و غنت من أشعاره: لا تكذبي وهي تعلم أنها المقصودة بذلك.

أغانينا العربية عبرت عن الكثير من هذه الحكايا ، منها ماعرفه المستمعون وأخرى ظلت طي الكتمان ، ومن الأمثلة على ذلك وبصوت فريد الأطرش: حبيته لكن مابقولشي.. اكمني بحب وما بطولشي ، عبد الوهاب: بفكر في اللي ناسيني و بنسى اللي فاكرني ، عبد الحليم: الاقيك مشغول و شاغلني بيك.. وعنيا تيجي في عنيك.. وكلامهم يبقى عليك و انت تداري.

ومن المشاهد الخالدة في السينما العربية ، لا ينسى كل من شاهد دموع نجيب الريحاني بفيلم: غزل البنات مع صوت عبد الوهاب الذي اختصر به قصة الحب من طرف واحد بين الريحاني و ليلى مراد مغنياً:

وكل ده وانت مش داري يا ناسيني و انا جنبك

حاولت كتير ابوح و اشكي واقرب شكوتي منك

لقيتك في السما عالي وانا في الأرض مش طايلك

حضنت الشكوى في قلبي وفطمت روحي على أملك.

و عودة للسباعي صاحب الخصوصية في هذا المجال الذي لم يكل وهو يعبر عن مشاعره لسمراء النيل ،ومن خلالها حظي ” السُمر ” بواحدة من أجمل أغاني الستينييات التي رددتها الجماهير وبصوت محمد قنديل :

جميل و اسمر و طبعه عنيد

أقرب له يروح لبعيد

ويوعدني وما لوش مواعيد

ويوم ما يجيني يتأخر

تقول سكر أقول أكتر

من السكر ميتين مرة .