أخر الاسبوع

نجمية حكمت ورحلتها مع الزمن

65 عاماً من حياة امرأة أردنية

فن السيرة الشخصية

السيرة او الترجمة الذاتية هي ترجمة لحياة شخصية إنسانية متميزة ضمن ظروف غير عادية , وليس كمعظم الناس العاديين! .

وفي الاردن فان القليل جداً من النساء اللواتي كتبن سيرتهن الذاتية !! ومنهن كانت السيدة الفاضلة التي كانت من أوائل الأردنيات المثقفات وصاحبة البصمة الأبرز في نهضة المرأة الأردنية .

إنها “ نجمية حكمت “ فقد كانت حياتها زاخرة بالمفاجآت والاغتراب والترحال والآلام و التحدي والثقافة والصبر و التضحية و الكبرياء والانتصار على الصعوبات .

ومن الجدير ذكره ان الناقد د. اسامة يوسف شهاب قد أشار في دراسة سابقة له قائلاً : في ظني ان كتابة السيرة الذاتية ليست لزج المعلومات،أو لفت الأنظار إلى هذه الشخصية أو تلك او للتسلية.. بقدر ما هي إضافة أدبية وتأريخية لمرحلة ما، يسرد فيها الكاتب- او الكاتبة - سيرة حياته في إطارها العام، وكأّنه يدعو الآخرين إلى مشاركته في عواطفه وأحاسيسه وذكرياته، و إلى مشاركته آلامه وأفراحه.. والسيرة الذاتية تأريخ للوطن من وجهة النظر الشخصية، حيث يخفت هنا صوت الأرقام والأزمان بحرفيتها، كما ان تأثير الشخصية في التأريخ يهمنا ويغنينا إلى حدٍّ كبير.

من مذكرات نجمية حكمت

وبالرجوع الى كتاب الراحلة « نجمية حكمت « والذي كان بعنوان « 65 عاماً من حياة امرأة أردنية – رحلتي مع الزمن « والصادر بطبعته الأولى عام ( 1986) أخترنا هذه المواقف والذكريات التي خطها قلمها عن بعض تلك الحياة الصعبة لتلك المرأة الحديدية نجمية حكمت .

ومما قالته في مذكراتها والتي تبدأ منذ كانت طفلة صغيرة في عشرينيات او ثلاثينات القرن الماضي وكان عمرها بحدود ال 13 سنة : «

لقد سعدنا أنا و أفراد أسرتي في إقامتنا بمأدبا, إلا أن ذلك لم يدم طويلاً. إذ تم نقلنا بعد عام إلى عمان.

فقد رجعنا إليها وسكنا في بيت على طريق وادي السير- شارع الامير محمد حالياً بالقرب من الجامع الصغير الموجود حالياً- جامع قارة الشركسي - .

المدرسة بحي الشابسوغ

ورجعت إلى مدرستي السابقة في عمان والتي كنت فيها قبل رحيلنا إلى مأدبا, كانت المدرسة في رأس طلعة حي الشابسوغ وكانت (لسعيد باشا خير) وكان البناء حجرياً جميلاً مؤلفاً من طابقين من أجمل بيوت عمان حينذاك.

و كانت المدرسة في الطابق الثاني أما الطابق الأول فكان يسكنه مالكها, ولم تمض عدة أشهر على نقلنا إلى عمان حتى صدر الأمر بنقل أخي إلى السلط وهنا أبت والدتي مرافقته من أجل دراستنا فبقينا في عمان .

وسافر وحده وبعد ما يقرب من عام نقل وعاد إلى عمان كما نقل إليها أخي الأوسط الذي كان ضابطاً في الجيش أيضاً واجتمع شملنا وطاب لنا العيش.

وكنت في أثناء ذلك في سباق مع الزمن في دراستي وفي تلك السنة خُطبت أختي الوسطى إلى شاب من سكان عمان من احدى عائلاتها المعروفة وتزوجت بعدها بعدة أشهر, ولم يبق في البيت سواي من البنات وبعد زواج أختي بدأت المشاكل.

فزوج أختي على الرغم من طيبته لم يكن يؤمن بتعليم البنات !! لذا أخذ يطلب من والدتي وأختي إخراجي من المدرسة وإلزامي البيت !! وكانت والدتي تستمهله قائلة بأني صغيرة لم أتجاوز الثالثة عشر من عمري بعد! وتقول لندعها تكمل تعليمها حتى الصفوف الموجودة , وبعدها سننظر بالأمر بعد أخذها الشهادة.

ممنوع التعليم للبنات !!

ولكنه كان عنيداً لا يقتنع ويعاود طلبه ونصحه مع تحذيره من نتائج تعليم البنات !! وأصرت والدتي على عدم الرضوخ لطلبه , فوالدتي كانت تقدر العلم فهي متعلمةً واعيةً تؤمن بفائدة التعليم للفتيات, لذا فقد أصرت على بقائي حتى أنهي دراستي كلها.

ومضت أشهر وقاربت السنة الدراسية على نهايتها. وأرسل زوج أختي شقيقتي إلينا لتخبر والدتي بأن زوجها متكدر جداً لإبقائي في المدرسة , وأنه ليس من اللائق أن أبقى في المدرسة في هذه السن !.

وماطلت والدتي في الرد عليه حتى انتهت السنة الدراسية والتي كانت بالنسبة لي آخر صف في المدرسة وبدأت العطلة المدرسية.

هنا بدأ في الإلحاح على والدتي حتى أرسل أختي لتقول لنا بأنه سوف يمنعها من زيارتنا إن أنا عدت إلى المدرسة.

فقد أضيف صف سابع للمدرسة الابتدائية للبنات.

وانتهت العطلة وعادت زميلاتي إلى المدرسة في الصف الجديد وبدأت السنة الدراسية: رجعن فرحات مستبشرات إلّايَ فقد حُكم عليَّ بالمكوث في البيت , فقد استجابت والدتي لطلبه ولا أدري كيف رضخت لطلبه رحمه الله.

واكتفت بتعليمي للصف السادس, كما عزمت على إلباسي الحجاب أي أنه حكم عليَّ بالحرمان من التعليم وحجبي في البيت لأني تجاوزت الثانية عشرة.

وبكيت وتوسلت لكي يعيدوني لإكمال الصف الجديد فقط , وكان الوصول إليه يعد أمراً مهماً في ذلك الزمان. ولكن عبثاً, فقد كانوا يرون أن الوصول إليه من شأن الرجال لا النساء أو البنات.

ولم تثمر توسلاتي وبكائي فقد كانوا يقولون لأهلي « كفاها تعليماً ..فالرجال لم يدرسوا مثلها».

حجاب الرأس وحجاب البيت !

وصمموا على إلباسي الحجاب الذي كان ثقيلاً على النفس !! إذ كان يلبس فوق معطف من الحرير الأسود أو البني أو الكحلي والأغلب كان أسود اللون.

ويوضع على الرأس غطاء فوق منديل من (الفوال) الأسود ويربط فوقه غطاء آخر يسمى (البرلين) يشبه (البوليرو) الآن الذي يوضع على الأكتاف فقط ويربط ذلك البرلين برباطين من خلف الرأس فوق البرلين , أو تحته ويضم طرفا البرلين من الأمام على الصدر بدبوس ذي طبعة سوداء. وكانت السيدة تبدو مع البرلين والحجاب الثقيل على وجهها قطعة من الليل!!! .

لذا فقد أصريْتُ على عدم لبسه ومانعت كثيراً ولكن دون جدوى .. وأخيراً اضطررت للخضوع بشرط وهو ألا ألبس (البرلين) قلت « إن كان ثمة حجاب فليكن (الجورجيت) » وهو غطاء نصف شفاف أسود يلف على الرأس بطريقة أنيقة ويسدل قسم منه على الوجه بشكل يبدو إلى حد ما مقبولاً.

وبعد أخذٍ ورد وافقوا على طلبي وجرى شراء القماش من الحرير السميك لصنع (الكاب) عند خياطة مشهورة تدعى (المدام) وكان محلها في شارع الملك فيصل .. كما اشتروا لي حقيبة بنية اللون وحذاء من نفس لون الكاب والفوال, وجرى إلباسي إياه لأول مرة بشكل طقوسي وبحضور والدتي وإخواني وأخواتي.

وأحسست يومها أنني سجنت خلف الأسوار وأصبحت واحدة من الحريم وصرت سجينة المحبسين: ( الحجاب ) بشكله المبالغ فيه و( البيت )

ومضى على بدء الدراسة عدة أشهر وبقيت أنا أجتر آلامي وحسراتي وأخذت زميلاتي في زيارتي ليرينني ما أخذن من دروس ويحدثنني عن أخبار المدرسة والمعلمات.

وكن غالباً ما يأتين إليَّ لأساعدهن في كتابة مواضيع الإنشاء العربي لعلمهن بإجادتي للكتابة في كافة المواضيع, ولكونهن تلميذات في صف واحد كنَّ يطلبن مني أن أكتب لكل واحدة بصيغة وأسلوب مغاير للأخرى كي لا تكتشف المعلمة ان الكاتبة للمواضيع هي شخصية واحدة !!!.

اضراب عن الطعام والكلام

لذلك كنت اضطر لتغيير الصيغ والتعابير وأكتب لكل واحدة بصورة تختلف عن الأخرى كي لا تتشابه كتاباتهن وكنت أتظاهر أمامهن بعدم المبالاة وأقول لهن بأني أمضي وقتي في المطالعة وتعلم الموسيقى لكي لا أظهر أمامهن بمظهر الحاسدة لبقائهن في المدرسة ولحرماني أنا منها, ولكنني حالما يخرجن كنت أغلق الباب وراءهن وأجهش ببكاء مرير ساعات طويلة؛ إذ كيف أحرم من التعليم وأنا التي لم يكن لآمالي وطموحاتي حدود.

وبعد تفكير قررت الإضراب عن الطعام والكلام , فصرت لا آكل شيئاً ولا أكلم أحداً , وكنت أنفذ ما يُطلب مني بصمت وكآبة دونها أي كآبة في الدنيا.

لقد تغير كل شيء والكل يعلم بأنني كنت لا أكف عن الحديث والضحك والابتسام.

مجلات و روايات

و أقلق ذلك والدتي .. وحاولت أن تسرّي عني وتجعلني أقلع عن إعراضي هذا .. فما نجحت !! وحاول إخواني وأخواتي إذ كنت صغيرتهم المدللة فأخذوا في ملاطفتي وجلب الملابس الثمينة والحلي لي والكتب والمجلات مثل ( الهلال والمقتطف واللطائف المصورة والرسالة والفكاهة ) التي بُدّل اسمها إلى الاثنين فيما بعد ثم إلى (حواء) الآن.

ومن الكتب التي جلبوها لي وأخذت في قراءتها: البؤساء وبائعة الخبز وروايات الهلال لجرجي زيدان وبول وفرجيني وماجدولين او تحت ظلال الزيزفون , ولا زلت أحتفظ ببعض بتلك الروايات حتى الآن .

وكذلك كان من جملة الكتب : العبرات والنظرات وسيرانودي برجراك من مترجمات ومؤلفات الكاتب المصري لطفي المنفلوطي وغيرها كثير من الكتب التاريخية والاجتماعية , وقرأت كذلك كل ما في مكتبتنا ، ومنها الكتب التركية القصصية والتاريخية ومنها كتاب اكتشاف منابع النيل باسم (أفريكيا سياحت نامه سي) وعصفور الغاب (جالي كوشي) و(كوزل برنسيسي) الأميرة الجميلة. وكلها كتب كبيرة من جزءين وكذلك كتاب (ابنة القبطان) وكتب نسيت اسمها مع الزمن كانت تملأ مكتبة بيتنا.

إذ أنني تعلمت كما سبق التركية قراءة وكتابة من والدتي التي كانت تصر على تعليمنا إياها.

فتعلمناها أولاً بالأحرف العربية كما كانت في القديم قبل الانقلاب الكمالي الذي قام به مصطفى كمال (أتاتورك) أي (أبو الأتراك) مؤسس تركيا الحديثة ورئيس جمهوريتها الأولى.

وبعد الانقلاب أمر مصطفى كمال كما يروون بتنقيح اللغة التركية من الألفاظ والكلمات الأجنبية كالفارسية والعربية , وأصدر أمراً بأن تستعمل الأحرف اللاتينية وجعل لها قاعدة خاصة وعلامات مميزة على بعض الأحرف لتفي بحاجة اللغة وألفاظها.

فاضطرت والدتي لطلب جلب كتاب الأبجدية التركية اللاتينية وعلمتنا إياها حتى أجدناها قراءة وكتابة. وعزمت أنا فيما بعد على تعليم أولادي التركية منذ نعومة أظفارهم فتعلموها.

وكنت بعد حرماني من إتمام تعليمي ألتهم الكتب التهاماً إذ لم يبق لدي ما يشغلني ويسليني سوى الكتب والمطالعة؛ كنت أقرأ كل شيء؛ حتى الأوراق التي تحملها العواصف لحديقة منزلنا .

وحتى أوراق الصَّر التي كان يصرُّ بها الباعة بضاعتهم من فاكهة ولحم وخضار , وكنت ما ان أدخل بيتاً من بيوت أقاربنا وأصدقائنا حتى أنظر ما حولي لأرى هل هناك من كتب وكانت أسهم تقديري لهم ترتفع وتنخفض بمقدار ما يملكونه من كتب ومجلات , وكان أهلي يحاولون التعويض علي؛ ولكن أي تعويض سيعوضني عن حرماني من أعظم أمانيّ في الحياة؛ إكمال تعليمي.

العزف على البيانو والكمان

ومما جلبوه لي آلة (كمنجة ) الموسيقية التي أحضرها أخي الأوسط الذي كان في القاهرة.. لعلي أسلو وألهو بها عما بي من شجن وحزن.

ولكني لم أكترث بها في أول الأمر وأبقيتها جانباً مدة طويلة. ولكن مع الفراغ الذي كان يحوطني, اضطررت لمحاولة العزف عليها وتدريجياً أجدت العزف, لأني قبلها حاولت تعلم العزف على (البيانو) , وقد كانت شقيقتاي تجيدان العزف عليه وعلى العود أيضاً.

وكنت من صغري أحاول – تقليدهن ومع الاستمرار أجدت العزف على البيانو , ولما كنت أحب تعلم كل شيء أراه وبسبب الفراغ الذي أحاول أن أملأه ومع كثير من الصبر والتدريب تمكنت من إمساك عصا الكمان ومن شد أوتاره والعزف عليه بإجادة تامة دون مساعدة أخواتي.

ولكن كيف تعلمت؟ وأين كنت أعزف! فقد كان من العار والمستهجن خروج وتصاعد صوت الآلات الموسيقية خارج البيت !!! إلا في الأعراس والموالد لكي لا يعلم الناس والمارة في الشارع بوجود سيدة أو آنسة تجيد العزف على الآلات الموسيقية .

لهذا كنت عندما أهم بالعزف أقوم أولا بإحكام إغلاق النوافذ والأبواب وألجأ إلى غرفة داخلية لكي لا يتسرب الصوت إلى المارة أو الشارع.

وغالباً ما كنت أغتنم فرص الليالي الماطرة والعاصفة ليتلاشى الصوت والنغم مع صوت الأعاصير والزوابع, عندها كنت أعزف بحرية مطمئنة بأن ليس هناك من أناس ومارة ولا لوم وتأنيب من إخواني ووالدتي.

ولا يزال ذلك (الكمان) موجوداً لدي , ولا أدري لأي من الأحفاد والحفيدات سأعطيه. فالكل يمني النفس بامتلاكه لأنه أصبح آلة أثرية تبلغ من العمر خمسين عاماً وأصبحت أثرية (كصاحبتها) . وقد أوصيتهم بعمل قرعة بعد وفاتي لتكون من نصيب من تقع عليه القرعة.

مضت سنتان على هذا المنوال ولم أغفر لأهلي حرماني من التعليم والغريب أنهم كانوا يستغربون تمسكي برأيي ويقول البعض منهم « العلم الزائد ضار بالفتاة وكفاها ما تعلمت ».

الحذر من الفتاة المتعلمة !

كانت نظرة الناس للفتاة المتعلمة حينذاك (نظرة توجس وريبة) وكأنها آتية من عالم آخر, وكانت الأمهات يخشين ويترددن في خطبة الفتاة المتعلمة لأولادهن ويقلن عن المتعلمة : أنها تكون قوية الشكيمة صعبة المراس (أي قوية الشخصية) وكن يفضلن الفتاة الجاهلة لينصهر جهلها مع جهل حماتها في بوتقة واحدة.

كانت والدتي توصيني بالإقلال من التحدث والضحك أمام الزائرات واللواتي كن يأتين لخطبتي وكن كثيرات.

فصول وأبواب من المذكرات

و الحديث يطول و ذكريات نجمية حكمت مشوقة ومؤثرة جداً فبعدما تزوجت من زوجها الضابط في الجيش العربي الاردني تنقلت معه في وظيفته وفي السكن في معظم مدن الاردن , حيث الكثير من الاحداث و الصعاب والعادات والترحال في الاماكن الاردنية , فقد كان الفهرس يشير الى : الرحلة من دمشق الى عمان .. زيارة الجدة .. السينما في عمان .. البدء في الدراسة .. زلزال في عمان .. الرحيل الى جرش .. الحجابان ..الخطبة .. الى الكرك .. الى معان ..الى العقبة.. المهمة الغامضة .. الشلل ورحلة العذاب .. معان مرة اخرى .. معان وداعاً .. الغريبة .. العودة .. أرملة ثم ثكلى .. الآن المستقبل هو الماضي .