كتاب

موسكو - هلسنكي من المنافسة الرياضية الى الصراع السياسي !

أطلق الحكم صفارته وانتهى مونديال كرة القدم في روسيا، وتوقف صراع الملاعب مع انتهاء الليالي البيضاء في مدينة سان بطرسبيرغ، وأعني غروب شمس منتصف الليل، وهو النظام الكوني الذي يشمل مناطق في فنلندا أيضا، التي يعتبرها البعض بوابة روسيا الغربية منذ عبرها الجيش الأحمر قبل قرن كامل، كما عقد في عاصمتها هلسنكي اول مؤتمر بين الشرق والغرب لتحقيق الأمن والأستقرار في القارة الاوروبية والأتفاق على تخفيض مخزون الأسلحة الاستراتيجية، وتخفيف خطر سباق التسلح بين الكتلتين، تم ذلك في مثل هذه الأيام من العام 1975.

وفي فنلندا سلّم غورباتشوف كلمة سر انهيار الاتحاد السوفياتي للرئيس الأميركي جورج بوش الأب، وفيها استسلم يلتسين نهائيا وتنازل عن آخر ذرة من كرامة روسيا وسلّم مفتاح موسكو للرئيس كلينتون خلال اجتماعه به في هلسنكي أيضا. هذا يعني أن عدة انتصارات سياسية وانجازات دبلوماسية حققتها واشنطن في العاصمة الفنلندية، التي أصبحت تشكل محطة مهمة في العلاقات السياسية والدبلوماسية بين موسكو وواشنطن.

اليوم يعيد التاريخ نفسه بصورة أخرى وبمشهد آخر فيه الكثير من التفاصيل المختلفة في الشكل والمضمون، حيث تعقد قمة هلسنكي بين الرئيس بوتن والرئيس ترمب، في أجواء بلغت ذروة التوتر، لدرجة تهديد السلم الدولي، بسبب جنوح وجموح الرئيس الأميركي، الذي يشكل حالة فريدة غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة، وهي الحالة التي قد لا تتكرر.

قبل وصوله الى هلسنكي حاملاحقيبة طافحة بالملفات والأزمات، قام الرئيس ترمب بجولة طويلة متعددة المحطات. خلال جولته أكثر ترمب من الظهورعلى الفضائيات، وأطلق تصريحات مثيرة للجدل أغضبت مواطني الدول الحليفة للولايات المتحدة في أوروبا، وفتحت الشهية للكتابة عنه وعن المزيد من كبواته وهفواته، حتى أن بعض الاعلاميين وصفه بعدم الاستقرار واتهمه بالازدواجية، لأنه لا يثبت على موقف، ويتراجع في كثير من الاحيان عن تصريحاته المتهورة، كما حدث عندما أنكر وصفه لرئيسة الحكومة البريطانية بانها "مقرفة"، إضافة الى تصريحاته حول الانتقادات القاسية التي وجهها الى المستشارة الألمانية انجيلاميركل !!

وصول الرئيس الأميركي ترمب الى هلسنكي يثير سحابة من الغبار، فهو شخصية إشكالية، يتقن فن كسب الأعداء واثارة العواصف والأزمات، لأنه عنصري ابيض يحمل الكراهية للمرأة والأقليات والمهاجرين، ولأنه غير منضبط " لا يمون على لسانه"ينزلق نحو هاوية الأزمات الساخنة والساخرة، وهنا لا ننسى أزماته مع حلفائه قادة أوروبا، الذين يتعامل معهم باستعلاء مذّل، إضافة الى تصعيد الوضع في الشرق الأوسط ، ومحاولة فرض "الصفقة الكبرى" لتصفية القضية الفلسطينية، وخلافاته الحادة مع الصين، وفرضه عقوبات على ايران وكوبا وفنزويلا.

اليوم، جاء الى هلسنكي للقاء بوتن من أجل التهدئة، وفي خطوة استباقية، اشار الى حسن نواياه فأعلن قبل وصوله، أن بوتن"قد يكون صديقا جيدا"، ولكنه في ذات الوقت قام بتحريض الدول الأوروبية ضد روسيا، ومارس ضغوطا كبيرة من أجل استمرارالحصارالاقتصادي على روسيا.

هذا الموقف لم يتغير، وحركة ترمب التحريضية العدائية لروسيا لم تتوقف عند حدود دول غرب أوروبا، بل تعدتها الى الدول الشرقية التائهة، أو"الدناديش" التي سقطت من الاتحاد السوفياتي وتحولت الى دول حليفة لواشنطن، هي الأكثر تطرفا وتشددا في عدائها لروسيا، وهي التي اقامت واشنطن فيها حزاما من القواعد العسكرية والأمنية يحيط بدول الاتحاد الروسي. هذه الدول كانت في السابق تشكل عبئا ثقيلاعلى روسيا واقتصادها، وأكل مواطنوها رغيف المواطن الروسي، ولكن يبدو أن الخبز الروسي بلا ملح !!

أعتقد أن بوتن، الذي يعيش نشوة نجاح المونديال الروسي، ويتقن فن التفاوض، سيحقق انتصارا سياسيا كبيرا في لقائه مع ترمب المعجون بكتلة من المشكلات الدولية، والذي يحمل شحنة ضخمة من القضايا والأزمات، منها ما يخص روسيا وازمتها مع أوكرانيا، والعقوبات الغربية والحصار الأمني والأقتصادي الأميركي لروسيا،وملف الأسلحة الاستراتيجية.

نضيف الى الى ما سبق البحث في الملف النووي الايراني الذي أعاد فتحه ترمب بقوة، وقضية الصين وكوريا الشمالية، الى أن تصل المفاوضات الى المفصل المهم، بل الأهم، وهو ما يتعلق بالصفقة الكبرى، وإخراج ايران وحزب الله من سوريا، أوعلى الأقل ابعاد هذه القوات عن الحدود مع الجولان المحتل، وبالتالي الضغط على الحكومة السورية للعودة الى مبدأ فصل القوات واتفاق الهدنة، وإيجاد منطقة عازلة.

في النهاية لا اعتقد أن اجتماع هلسنكي قادر على إيجاد حلول لهذه الحزمة من الأزمات"الترامبية"، حتى أن الرئيس الأميركي لا يستطيع أن يدّعي التفاؤل، فالأزمات التي خلقتها ادارته في سنة تحتاج الى قرن من الزمن للبحث عن حلول لها، فهو الذي رمى صخرة في البئر الدولي، وكل عقلاء العالم عجزوا عن إخراجها !!