وعينا العربي بصورة عامة مازال متخلفاً، قاصراً عن بلوغ"حداثة العصر"،وعينا –مع الاسف- لا يقيم وزناً للاختلاف والتعددية والمساواة.هو مقيدّ بسلفيّة تطمح في نظام ديني،تناصب العداء لكل ما هو"علماني".كل التجارب العربية في الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي بائت بالفشل.حاول الماركسيون العرب مقاربة الحداثة، لكنهم فشلوا لأنهم قمعوا"التعددية"ورفضوا الرأي الآخر،والنتيجة خيبة وإخفاق وتبرير!
كذلك"الوحدويون"الذين يستمدون قوتهم من"النفس الناصري"لم يحسنوا التعامل مع شرعية"الاختلاف والتعددية"هم ايضاً فشلوا. رفعوا راية"الاشتراكية"لكنهم ضلوا الطريق حين تركوا الاسئلة المتعلقة بمضمونها الانساني والاجتماعي مُعلّقة،بمعنى انه اهملوا هذا الجانب الحيوي عن عمد.
نادوا بِ"اشتراكية غربية"لا"بتطبيق عربي"للاشتراكية.وحدثت حرب 1967 بين العرب والاسرئيليين وما صاحبها من هزيمة عربية مريرة،بعدها استغلت"السلفية"الفرصة لِتُجيف الطعنة الى كل ما هو قومي ووحدوي.هيمنت الايديولوجية الدينية.تم تسطيح الوعي الشعبي واستغفاله.اخفقت الليبرالية البرجوازية في منازلة الحركة السلفية متأثرة بأصحاب الاجندات المشبوهة.
في ظل هذا الاخفاق القومي والماركسي العربي شنّت الدولة العربية عنفاً وقمعاً للحريات.أما المفارقة فكانت حملة ضارية على الحضارة الغربية وكأن فشلنا سببه الوثوق بها لا فشل تجاربنا الذاتية وأنانيتنا التي لم تفسح المجال للأسئلة المشروعة حين راح المسؤولون العرب يَغذّون الخُطا نحو الوحدة دون ان يدركوا ان تحقيقها لا يتم"سلفاً" وبجرة قلم!
حين قال المفكر المصري د. سمير أمين"المجتمع المتخلف ينتج فكراً متخلفاً،بينما المجتمع المتقدم ينتج فكراً متقدماً" لم يكن مُغالياً.حقيقة ما يقوله ماثلة اليوم على الارض العربية والاسلامية لا ينكرها الا مُكابر.
قلت إننا كعرب بَرّرنا اخفاقاتنا المتكررة وعجزنا المشين ناسبين كل ذلك الى الغرب،على شماعتهم وضعنا اخفاقاتنا. نسينا أو تناسينا ان تبعيّتنا لهذا الغرب تمت برضانا بل وبترحيب الكثيرين منا.حين رضينا بهذه التبعية تناسينا ان ثمنها باهظ ومكلف،فالامبريالية لا يمكن ان تسمح للتابعين لها ان يحلموا ب"الحداثة"حتى هؤلاء استمرأوا"التبعية"بل وبرّروها!
في هذا السياق نقرأ للأكاديمي والمفكر د. هشام شرابي هذه المفردات المعبّرة:"نحن نريد الحداثة وهو يريد لنا التحديث،نحن نريد السيادة والاستقلال وهو يُجبرنا على التبعية،نحن نصبو الى التحرر والوحدة وهو يدعم الانظمة الابوية التي تقف في وجه التحرر والديمقراطية وتمنع الوحدة".(د. هشام شرابي"المثقفون العرب والغرب"،الناشر دار نلسن، ص 78).
والمؤسف ان مثقفين عرباً كثيرين لم يميزوا بين امبريالية غربية ظالمة وبين ثقافة غربية ذات بعد انساني،فقد تم وضع كل ذلك في سلة واحدة! حوربت هذه الثقافة!
أليس في ذلك تسطيح للوعي؟اذا ارادت دولنا العربية اجتراح وعي عربي حداثي حقيقي،فعليها وكما يقول المفكر الراحل د. صادق العظم"الاّ تمارس تسلطاً وهيمنة وقمعاً على المجتمع المدني العربي،فما تمارسه اكثر شراسة وارهاباً ودموية مما عرفه على امتداد تاريخه الحديث والمعاصر علماً بأن كل ذلك يجري باسم سياسة الانفتاح". (صادق العظم:"ذهنية التحريم"،ص 110).
في كتابه الصادر حديثاً "العقل والمنهج في الثورة العلمية الكبرى"يقول الاكاديمي والمفكر البارز أ.د. هشام غصيب في مقدمته واصفاً الحالة العربية المزرية هذه الايام"نحن العرب الذين نعيش حالة مُريعة من التخلف على كل صعيد، والذين ما زلنا نعيش خارج العصر والتاريخ، مطالبون اكثر من غيرنا من الامم بتملك العقل العلمي الحديث والعقلانية العلمية الحديثة في صُلب وعينا ووجداننا وذهننا لكي يتسنى لنا ان ننمو طبيعياً ونتملك مصيرنا وذاتنا الانسانية المهدورة".(المرجع السابق ص 5).
عربنا اليوم مهمّشون،خارج التاريخ،لااحد في العالم يقيم لهم وزناً، شئنا أم أبينا، بأيديهم وصلوا الى هذا الدَّرك.
من هنا علينا ان نتحرر من هذه الحالة المريعة. تبعيّتنا للغرب مهيمنة بكل المقاييس.لن نخرج من هذا التردي الا بإقامة نظام عربي حر سيد نفسه،ولن يتم ذلك الا اذا نجحنا في بناء علاقة صحية بين العلم والدين وبين الحداثة والتراث. وهذا ليس مستحيلاً اذا خلصت النوايا واستلمنا زمام أمرنا.
اختم بالقول إنّ اجتراح وعي عربي متقدم لن يتم ما دمنا كعرب نعيش على اجترار ما صنعه اجدادنا القدماء من امجاد. اجترار الماضي وحده لا يفيد الخانعين!
لن تقوم لنا قائمة ما دمنا –او ما دام الكثيرون منا- يحاربون"العقل العلمي"،فالعلم –وكما يقول د. هشام غصيب"لا يقبل الامور على علاّتها،لا يقبل المُسلمات المطلقة،لا يعترف في أي مرجعية أو سُلطة خارجة سواء اكانت سُلطة سياسية أم نصّية أم سُلطة بديهيات".(د. هشام غصيب، المرجع السابق ص 126).
نحن بحاجة الى ثورة فكرية تخرجنا من حالة"الاستنقاع"التي نعيشها،الثورة الفكرية هذه بحاجة الى"ديمقراطية"هي مع الاسف غير متوفرة عربياً حتى الآن. هذه الثورة ستمكننا ان نجحت وساندها اصحاب القرار العرب من الانخراط في صنع الحضارة الحديثة.نحن نشتم عصر"الانتيكا"الذي نعيشه كعرب،ولكن"الأنتيكا"مازالت قابعة في تفاصيل حياتنا العربية لا نحاول التخلص منها هناك من يدعمها!
أسرفنا في الانحناء امام الامبريالية حتى كادت رؤوس الكثيرين منا تلامس مواضع الاقدام. نلعن"الظلام"في العلن، وفي السِّر نرتضيه.ظاهرنا غير باطننا. نبيع او يبيع الكثيرون منا الشعوب وعوداً بمستقبل باهر،زاهر،بينما كل المؤشرات نقيض ذلك. التفنن بالتموية بات موضة.
فساد الذمم،حدث عنه ولا حرج،الفساد العربي تغول على المحرمات،الفساد سريع العدوى."المال للإنسان فتّان"وحده الطاهر الإهاب لا يفتنه المال.ومع الاسف الاطهار في أُمتنا باتوا معزولين لأنهم لم يركبوا موجه الفساد.كم من زعيم مجدناه"لم يكن يحمل طُهر الصنم"كما يقول الشاعر العربي.
شُرفاء القوم باتوا في الزوايا!
تُرى متى تستقيم منا القامات؟متى نخلع ثوب الهوان؟متى يصدق الكثيرون منا مع شعوبهم؟