كتاب

عنوان«شجرة السنديان»

كنت صبياً صغيراً في الستينيات من القرن الماضي عندما كان والدي يأخذنا سنوياً الى الضفة الغربية لزيارة الاهل هناك وقضاء اجازة الصيف في كروم الخليل وبيت لحم ورام الله. كانت الرحلة تبدأ من مدينة الزرقاء الى مدينة عمان حيث موقف السيارات بالقرب من المدرج الروماني، ومن هناك الى موقف العبدلي للباصات الذي كان يقع في اخر الدنيا خارج عمان. من هناك كنا نستقل الباص المتجه الى الضفة الغربية فنمر بين الحقول والطرق الملتوية حتى نصل الى نقطة يلتقي فيها الطريق الملتوي مع طريق مستقيم هو طريق الجامعة الاردنية حالياً وهناك على الزاوية كنت انظر من الشباك لأرى مستشفى فلسطين وبعدها نتجه الى منطقة صويلح ووادي شعيب واريحا ثم الضفة الغربية. ارتبط هذا المشهد في ذاكرتي وبقي معي حتى كبرت وسافرت الى الاسكندرية لدراسة الطب. عند عودتي لزيارة الاهل في الزرقاء بعد انقضاء العام الاول من دراسة الطب في الاسكندرية ذهبت مع والدتي التي كانت تعاني من اجهاد عام وزيادة في الوزن الى مستشفى فلسطين للمعاينة حيث استقبلنا الدكتور سامي خوري في عيادته في الطابق الارضي بأناقته المعروفة وابتسامته المشعة وبعد اتمام الفحص سألني ماذا تفعل؟ فقلت له: انا ادرس الطب. فقال لي: الا تعرف ماهو تشخيص حالة والدتك؟ فقلت له: لا اعرف. فقال: والدتك تعاني من ضعف في الغدة الدرقية. أبهرني الرجل...أبهرني وانا طالب الطب في السنة الاولى أشاهد امامي جراحاً عملاقاً معروفاً عريقاً يقوم بالتشخيص خلال دقائق ويتم التأكد من هذا التشخيص من خلال فحوصات تمت بعد ذلك وتم شفاء والدتي على يديه بعد اعطائها العلاج المناسب. عرفت المزيد عن الدكتور سامي خوري الذي ولد في نابلس في العام 1922 ودرس الطب في الجامعة الاميركية التي تخرج فيها عام 1946 عاد بعدها للعمل في المستشفيات الحكومية في القدس وحيفا ثم سافر بعدها الى بريطانيا حيث حصل على زمالة كلية الجراحين الملكية/ادنبره في العام 1952 والتخصص في جراحة الصدر والقلب من جامعة جونز هوبكينز وجامعة واشنطن في الولايات المتحدة الاميركية. علمت كذلك انه عاد ليعمل رئيساً لقسم الجراحة في مستشفى المطلع (اوجستا فيكتوريا) في القدس. في العام 1957 تم استدعائه على عجل من القدس الى مستشفى ماركا العسكري لاجراء عملية جراحية بسيطة لجلالة الملك الحسين رحمه الله وعندما افاق جلالة الملك من البنج اشار على الدكتور سامي خوري بضرورة انشاء مستشفى خاص في الاردن بموجب قرض من مجلس الاعمار. تلقى الدكتور سامي خوري امر جلالة الملك الحسين وبدأ العمل في بناء المستشفى في العام 1957 الذي تم افتتاحه رسمياً في احتفال مهيب في حزيران من العام 1960. علمت كذلك من الصور التي يزدان بها مدخل المستشفى ان جلالة الملك عبد الله الثاني قد ولد في المستشفى في 30 كانون الثاني 1962. انهيت انا تخصصي في جراحة الدماغ والاعصاب وعدت للعمل في الاردن في مستشفى الجامعة الاردنية ومن ثم الى القطاع الخاص حيث عملت في مستشفى فلسطين الذي دفعني للعمل فيه وجود الدكتور سامي خوري على رأس ادارته. ابهرني المستشفى بكونه مستشفى عائلياً حميماً وآمنت بما آمن به الدكتور سامي خوري من ان اشعال شمعة خير من لعن الظلام. اذكر تماماً جلسة جمعتني انا والمرحوم الدكتور اسحق مرقة رحمه الله والدكتور سامي خوري والدكتور المميز نصري خوري اخصائي جراحة الدماغ والاعصاب (ابن الدكتور سامي خوري) حيث قال الدكتور سامي خوري موجهاً الكلام للدكتور اسحق مرقة «الاردن وفلسطين سوف تلعننا انا وانت اذا لم ندعم الجيل الجديد من الاطباء».

بالامس فقدنا رائداً من رواد الطب في بلدنا...علماً من اعلامنا.... رجلاً فذاً قل أن يجود به الزمان... سنديانة جسدت وحدة الاردن وفلسطين.....بالامس فقدنا شيخاً من شيوخ الجراحة.....الدكتور سامي خوري رحمه الله.

E – mail: ibrahimsbeihaz@gmail.com