منذ قدوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب عملت الإدارة الجديدة في واشنطن على تبني نهج بقوم على تشديد الخناق على إيران، وبناء استراتيجية للحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وقد تبلورت الاستراتيجية الجديدة مع إعلان ترمب في الثامن من مايو 2018 انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع إيران في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في تموز/ يوليو 2015، وفي الوقت الذي كان ينظر إلى ترمب كرمز للتطرف تجاه إيران، بدا أن أركان إدارته أكثر تطرفا، ففي أول خطاب رئيسي عن السياسة العامة لمايك بومبيو منذ توليه منصب وزير الخارجية، بعد أسبوع من إعلان ترمب الانسحاب من الاتفاق، أعلن بومبيو في 21 مايو 2018 خلال ندوة بمؤسسة هيريتييج عن استراتيجية بلاده تجاه طهران، وقال إن»الاستراتيجية الأميركية الجديدة تقوم على 7 محاور للتعامل مع إيران»، مؤكداً أن الضغط الاقتصادي هو الجانب الأبرز من الاستراتيجية الجديدة تجاه إيران، ومشدداً على أن إيران ستتعرض للعقوبات الأكثر قسوة في التاريخ إذا واصلت سياساتها.
برهن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على نهج أكثر تشدداً وحزماً من رئيسه ترمب خلال عرضه «الاستراتيجية الجديدة» لبلاده ضد إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، إذ لخصها بالقول: «لن يكون لإيران مطلقاً اليد الطولى للسيطرة على الشرق الأوسط»، لكن بومبيو لم يغلق الباب إمام إيران بالمطلق وأبدى انفتاحاً إزاء النظام الإيراني، قائلاً إنه مستعد للتفاوض معه على «اتفاق جديد» أوسع بكثير لكن أكثر صرامة بهدف «تغيير سلوكه»، وأضاف أنه «في مقابل القيام بتغييرات كبيرة في إيران، فإن الولايات المتحدة مستعدة» لرفع العقوبات في نهاية المطاف و»اعادة جميع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إيران» و»دعم» الاقتصاد الإيراني، وأوضح بومبيو أن هذا لن يحدث إلا بعد «تطورات ملموسة يمكن التثبت منها مع مرور الوقت». وحدد قائمة تضم 12 شرطاً قاسياً للتوصل الى «اتفاقية جديدة».
أحد أهم مظاهر الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه إيران، تتمثل بالحد من نفوذ طهران في الشرق الأوسط، فقدشدد بومبيو على ضرورة أن تنسحب إيران من سوريا وتتوقف عن التدخل في نزاعات المنطقة (اليمن) وتمتنع عن دعم ما وصفها بـ «المجموعات الإرهابية». وأن تتوقف عن التدخل في شؤون جيرانها كما هي الحال في العراق أو لبنان، أو أن تهدد الآخرين مثل إسرائيل أو السعودية، واعتبر أن الشروط الـ 12 «قد تبدو غير واقعية»، لكنها مطالب «أساسية».
كانت الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران قد تدرجت منذ مجيء ترمب،منذ قدوم إدارة ترمب،وبات الحديث عن الخطر الإيراني حدثا يوميا، وأصبحت التهديدات لازمة خطابية لأركان الإدارة الأميركية، ومنها تحذير مستشار الأمن القومي الأميركي السابق هربرت ماكماستر من تزايد قوة ما وصفها بـ»شبكة وكلاء» إيران في المنطقة،حيث قال ماكماستر أثناء مؤتمر ميونيخ للأمن في 17 فبراير 2018 إن إيران تبني وتسلح شبكة قوية على نحو متزايد من الوكلاء في دول مثل سوريا والعراق واليمن، وأضاف أن شبكة وكلاء إيران أصبحت أكثر قوة، وأن الوقت حان للتصرف تجاه طهران.
اتخذت واشنطن في هذا السياق سلسلة من الإجراءات ضد الذراع الأكثر فاعلية لسياسات إيران الخارجية ممثلة بأذرعها الخارجية، مجسدة في «حزب الله» اللبناني، حيث أضافت الخزانة الأميركية، في 16 مايو 2018، كيانات وشخصيات جديدة على لائحة الإرهاب، وذلك بالشراكة مع مركز «استهداف تمويل الإرهاب» الذي تضم عضويته دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية وهي الرئيس المشارك للمركز، ثم البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والإمارات)، وقد تضمُّنت اللائحة اسم الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ونائبه، نعيم قاسم، ورئيس المجلس السياسي إبراهيم أمين السيد، ورئيس الهيئة الشرعية محمد يزبك ومعاون نصرالله للشؤون السياسية حسين الخليل.
كان الاتحاد الأوروبي قد إدرج الجناح العسكري لحزب الله اللبناني ضمن لائحة المنظمات الإرهابية في 22 تموز 2013، دون أن يصنف الحزب بكافة مؤسساته كمنظمة إرهابية، بينما تصنف الولايات المتحدة حزب الله «تنظيما إرهابيا أجنبيا» متذ عام 1997،لكن وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشن قال إنه من خلال استهداف مجلس شورى حزب الله، فإن الدول المشاركة في العقوبات ترفض التمييز الزائف بين ما يسمى الجناح السياسي للحزب وتآمره الإرهابي الدولي.
العقوبات الأميركية سبق أن استهدفت في فبراير الماضي الشبكة المالية للحزب إذ فرضت العقوبات على ستة أشخاص من الحزب إضافة إلى سبع مؤسسات مالية تابعة له، وقداتخذت الولايات المتحدة سلسلة من الإحراءات والعقوبات المتتابعة ضد حزب الله، حيث أقر مجلس النواب الأمريكي في 25 أكتوبر الماضيعقوبات جديدة على حزب الله اللبناني، وتم إقرار ثلاثة إجراءات في تصويت جرى دون معارضة، حيث أقر المجلس أولا فرض عقوبات جديدة على أي كيانات يثبت دعمها للحزب من خلال إمدادها بالأسلحة على سبيل المثال، ويفرض الإجراء الثانيعقوبات على إيران وحزب الله لاستخدامهما المدنيين كدروع بشرية، ويقوم الإجراء الثالث على حث الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف حزب الله «تنظيما إرهابيا».
تصاعدت الحملة الأميركية ضد حزب الله بصورة لافتة حيث عرضت الولايات المتحدة مكافأة تصل إلى 12 مليون دولار أميركي لمن يدلي بمعلومات تساعد في إلقاء القبض على اثنين من قادة جماعة حزب الله اللبنانية، وهما طلال حمية وفؤاد شكر، وقال منسّق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية نايثن سيلز في 11 أكتوبر الماضي إن «(جماعة) حزب الله لا تزال أحد التنظيمات الإرهابية الأكثر خطورة في العالم»، مضيفا أن المكافآت المرصودة هي «خطوة جديدة لزيادة الضغوط عليهما وعلى تنظيمهما»، وقالت الولايات المتحدة إن حمية هو مسؤول الأمن الخارجي في حزب الله ويدير خلايا الجماعة في مختلف أرجاء العالم، وأن هذه الخلايا هي التي تقوم بالتخطيط للعمليات خارج لبنان وتنفيذها، وتشير تسريبات إلى أن شكر حل مكان مصطفى بدر الدين، القائد العسكري في حزب الله، الذي قتل في ظروف غامضة في سوريا في عام 2016.
يستند منطق المواجهة بين إيران وإسرائيل إلى قناعة إسرائيلية بأن الاستراتيجية الأمريكية المتعلقة بإيران قاصرة ولا تتوافر آليات فاعلة للحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط عموما وفي سورية خصوصا، فالاستراتيجية التي وضعها فريق الأمن القومي للرئيس الأميركي دونالد ترمب للتصدي لإيران تتضمن مجموعة من العناصر الأساسية تقوم على: تحييد التأثير «المزعزع للاستقرار للحكومة الإيرانية وكذلك تقييد عدوانيتها، ولا سيما دعمها للإرهاب والمسلحين»، وإعادة تنشيط التحالفات الأميركية التقليدية والشراكات الإقليمية كـ «مصد ضد التخريب الإيراني واستعادة أكبر لاستقرار توازن القوى في المنطقة»، وحرمان النظام الإيراني، ولاسيما الحرس الثوري، من تمويل «أنشطته الخبيثة» ومعارضة أنشطة الحرس الثوري، ومواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية والأسلحة الأخرى الموجهة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وحشد المجتمع الدولي لإدانة «الانتهاكات الجسيمة للحرس الثوري» لحقوق الإنسان و»احتجازه لمواطنين أميركيين وغيرهم من الأجانب بتهم زائفة»، وحرمان النظام الإيراني من المسارات المؤدية إلى سلاح نووي.
رغم أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة تبدو أكثر شمولا عن سابقاتها، إلا أن ثمة شكوك واسعة بمدى فاعليتها وحدواها، فأقرب حلفاء واشنطن من الأوروبيين يبدون انزعاجهم من السلوك الأمريكي، فقد انتظر الاتحاد الأوروبي، وخصوصا محور باريس ولندن وبرلين، خطاب بومبيو الذي وعد بتقديم رؤيته للمرحلة المقبلة، لكن وزير الخارجية الأميركي، المعروف بخطابه المتشدد، لم يمد لهم يد العون، وليس هذا فحسب، بل طالبهم بـ «دعم» استراتيجية بلاده، مدركا الصعوبات التي تواجهها الشركات الأوروبية، فقد حذر بومبيو بشدة الشركات التي ستستمر في القيام بأعمال تجارية في إيران في قطاعات محظورة بموجب العقوبات الأمريكية من أنها «ستتحمل المسؤولية»، ويبدو أنشقة الخلاف على جانبي الاطلنطي بدأت بالاتساع، فقد انتقدت فيدريكا موغيريني، مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بشدة النهج المبدئي لبومبيو في سياسته حيال إيران،وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس:»إن هذه (التهديدات) لم تغير شيئا في الأمر»، وقال: «هذا يمس بشكل مباشر المصالح الأمنية الألمانية والمصالح الأمنية لأوروبا كلها».
لا جدال أن استراتيجية واشنطن الجديدة سوف تؤثر على إيران، إلا أنها لن تؤدي إلى تغيرات جذرية تصل حد المواجهة والحرب، ويبدو تأثيرها محدودا على أذرع إيران الخارجية، فقد حقق حزب الله تقدما كبيرا في الانتخابات النيابية اللبنانية التي جرت في 6 مايو 2018، وحليف إيران في سوريا، حقق تقدما واضحا،وتراجع المعارضة السورية المسلحة وباتت محاصرة في جيبين كبيرين، الأول في إدلب ومحيطها، والثاني في الجنوب السوري، وكلا الجيبين بانتظار تسويات محتملة معقدة، رغم تهديد النظام السوري بقرب التوجه نحو جبهة الجنوب، ولا يزال التحالف الإيراني الروسي السوري صلبا ومتماسكا.
**
خلاصة القول أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة ضد إيران رغم شمولها تفتقر إلى عناصر أساسية وتفتقر إلى الآليات والوسائل والأدوات، وربما تقود الاستراتيجية الجديدة إلى خلق حالة جديدة تساهمبعزلة أمريكا، حبث ظهرت بوادر الخلاف على جانبي الاطلنطي، وتبدو أمريكا غير قادرة على إقناع حلفائها الأوروبيين بالمضي خلفها دون مساءلة، ولا يبدو أن حلفاء أمريكا في المنطقة لديهم القدرة على مواجهة إيران وحدهم، وتحمل كلف الحرب وحالة عدم الاستقرار.
استراتيجية واشنطن لكبح تمدد طهران
12:30 28-5-2018
آخر تعديل :
الاثنين