كتاب

التعليم التقني واقع وطموح (4) الهيئة التدريسية

يعود عدم اضطلاع القطاع الصناعي بمسؤولياته المجتمعية تجاه النهوض بالتعليم التقني إما إلى عدم قناعة القطاع الصناعي بوجود استراتيجية تنفيذية واضحة لهذا القطاع في الأردن رغم الاهتمام المتزايد به على المستوى الرسمي وإما لتفكيره التقليدي السلبي وعدم ادراكه اهمية دوره في دعم و نهوض قطاع التعليم التقني.هناك أزمة عدم ثقة ما بين الصناعة ومزودي التعليم العالي (ومنها التقني) بحيث يعود غالب الثقة إلى خط الإنتاج المستورد ولا يريد العبث به- من وجهة نظره–في حالة انخراط الدور الأكاديمي المحلي فيه. اضف الى ذلك ان هناك في الأردن أكثر من 50 كلية ويعمل بها أكثر من 2150 عضو هيئة تدريس ورغم وصول نسبة النمو السنوي في قطاع التعليم العالي إلى أكثر من 5% إلا أن ذلك لم ينعكس بالشكل الكافي على الاهتمام و تطوير أعضاء الهيئة التدريسية وخصوصا في قطاع التعليم التقني. بل اضطرت العديد من الكفاءات الأكاديمية وخاصة المميزة إلى الهجرة إلى الخارج وذلك لتدني رواتبهم وآخرون اضطروا إلى العمل ضمن العبء الإضافي والذي يكون على حساب الجودة الأكاديمية.

الثابت لدينا أن الأردن لديه الكفاءات الأكاديمية المميزة وعلى مستوى عال إلا أنه يتركز في القطاع الأكاديمي التقليدي وليس في التعليم التقني.إن أي مؤسسة تعليمية تعنى بالتعليم التقني يجب عليها تحديد المهارات المطلوبة عند عضو هيئة التدريس ليكون مؤهلا لأداء عمله ومن ثم العمل على تنمية وتأهيل هذه المهارات لديهم ضمن نظام تأهيل متخصص بحيث يصبح هدف عضو هيئة التدريس هو تحقيق المخرجات التعلمية المطلوبة على مستوى البرنامج والمساق من خلال أدوات تقييم خاصة بها.يجب توفير البيئة المناسبة لعضو هيئة التدريس من حيث الأعباء والحوافز والقوانين والتعليمات ليتسنى له القيام بعمله بدون تأثيرها. و أن يكون المدرس ضمن دائرة صنع القرار في علاقته مع الإدارة والطالب ليؤمن بها ومن ثم يتبناها. و يجب أن يؤمن كل من الإدارة وعضو هيئة التدريس على تحول أساليب التدريس من فلسفة التعليم إلى التعلم وأن الطالب أصبح محور العملية التدريسية وليس المعلم كما كان في السابق.إن التعليم الحديث بشكل عام تحول إلى التركيز على تحقيق المخرجات التعليمية وبالتالي ربطها عكسيا مع محتويات المساق وأدوات التقييم.

هناك مواصفات خاصة يجب أن تتوفر بعضو هيئة التدريس في التعليم التقني ليكون مؤهلا بحيث يجب على عضو هيئة التدريس أن يكون ملما بآلية وأبجديات التعليم التقني وقادرا على تمييزها من التعليم الأكاديمي التقليدي, و أن يكون قادرا على كتابة وتنفيذ المخرجات التعلمية للبرنامج والمساق بالاضافة الى القدرة على ربط هذه المخرجات التعلمية مع الخطة الدراسية وتفاصيل المساق الواحد و أن يكون قادرا على ربط أدوات التقييم ( امتحان نظري، عملي، مقابلة، شفوي، مشروع تطبيقي وغيرها) مع المخرجات التعلمية للمساق الواحد.و من المهم ايضا أن يكون المدرس مؤهلا لنقل مهارات الإبداع والابتكار وريادة الأعمال إلى الطلبة والتي هي ضرورية كمهارات تميز طالب التعليم التقني على نظيره من الجانب الأكاديمي التقليدي. الامر الذي يؤدي في كثير من البلدان المتقدمة في التعليم التقني الى ان يحصل الطالب على عمل أثناء دراسته بعد التدريب في المصانع وقبل التخرج وذلك لثقتهم بالمنتج و كونهم على اطلاع قريب بمهاراته الشخصية والسلوكية والتقنية التي تعلمها أثناء دراسته وإثرائها أثناء التدريب.

ولكون معظم الهيئة التدريسية تأتي من خلفية أكاديمية تقليدية يجب علي المدرس التدرب وممارسة تطبيقات المساق إما في المصانع والشركات ذات العلاقة أو في مشاغل الجامعة ومراكز الأبحاث في المملكة ففي التجارب الناجحة في مجال التعليم التقني مثل استراليا و كندا, لا يشترط حصول المدرس على مؤهلات ماجستير أو دكتوراه وإنما أقلها دبلوم أو بكالوريوس و ذو خبرة صناعية وأيضا لا يسمح له بالتدريس إلا بعد اجتيازه شهادة خاصة تؤهله للعمل كمقيم ومدرس في الكلية أو الجامعة و قد تحتاج إلى 3-4 شهور للحصول عليها وفي هذه الأثناء يمكنه التدريس ولكن تحت إشراف مباشر من مدرس آخر حاصل على هذه الشهادة.من المهارات المهمة عند المدرس قدرته على بلورة العمل التطبيقي التقني عند الطالب وأن يكون مصدر إلهام للطالب لتشجيعه للسير في هذا المسار التقني في حياته المهنية و أن من المهم يتمتع عضو هيئة التدريس بخبرة صناعية سابقة تثري خبراته أثناء التعليم.و لا نغفل عن ضرورة التعاقد مع الصناعة للاستعانة بكفاءاتهم للتدريس في الجامعة على النظام الجزئي أو الإعارة من الصناعة لمدة فصل أو أكثر وذلك لنقل وإلهام الجانب الصناعي إلى الطلبة.

كما تحدثنا سابقا في الدول الرائدة في هذا المجال مثل ألمانيا وكندا واستراليا وأميركا هناك برامج ماجستير ودكتوراه في التعليم التقني ولذلك يجب على إدارة قطاع التعليم التقني العمل مع الجامعات على الابتعاث لبرامج الماجستير والدكتوراه متخصصة في التعليم التقني ليتسنى لهم إثراء العملية التعليمية بمؤهلات متخصصة وهنا يأتي تناغم الإدارة مع الهيئة التدريسية بتشجيعهم على البحث التدريسي وتطوير تعليمات التعيين والترقية لتتناسب مع مؤهلاتهم وخصوصيتهم وهذا ما لا يتوفر في معظم (إن لم يكن جميع) الجامعات المحلية والعربية. و أن يكون هناك استمرارية في التدريب والتأهيل المستمر لأعضاء الهيئة التدريسية على أساليب وتنوع التعليم والتقويم والقياس الخاص بقطاع التعليم التقني. ويجب تشجيع القطاع الخاص على تأسيس وتطوير كليات وجامعات في مجال التعليم التقني لما له من دور حيوي ورئيسي في نهضة هذا القطاع.

على الرغم مما تبذله الدولة من جهد في مجال التعليم التقني إلا أن هذا القطاع يعاني من جوانب قصور لأسباب عديدة الأمر الذي يؤدي إلى زيادة نسبة البطالة رغم وجود طاقات كبيرة بين أبنائنا الشباب مما يستدعي الحاجة إلى سياسة واضحة المعالم للتعليم التقني.بالنهاية يجب على القائمين على قطاع التعليم التقني الاستفادة من الزخم والدعم الملكي الكبيرللتعليم التقني و توفر الامكانات اللازمة في ادارة هذا القطاع لإيماننا في إمكانية تحقيقه والتميز به على مستوى المنطقة.