«المدرسة» الواجهة اليومية التي يقصدها مئات آلاف من الطلبة تحوي في ثناياها حياة متكاملة لتمنحهم التعليم والتربية وتسهم في صقل شخصياتهم، ليندرج ضمن مفاهميها نمط حياة شاملة متكاملة.
خبراء أوضحوا في أحاديث إلى «الرأي» أهمية أن تحوي هذه الحياة نمطا صحيا بمضمونه العام والشامل من حيث تقديم تعليم نوعي ونظام غذائي صحي يسهم بشكل مباشر في تطوير القدرات الذهنية والعقلية للطالب.
وفي ظل تزايد الملاحظات حيال وسائل التغذية في المدارس نتيجة انعدام التوازن في النظام الغذائي المقدم للطلبة، نجد بعض المدارس، وتحديدا «الخاصة» منها، تقدم الوجبات الجاهزة «السريعة» الغنية بالسعرات الحرارية؛ ما يؤثر سلبا على صحة الطالب الجسدية والعقلية سلبا.
في حين نلمس واقعاً مغايرا في المدارس الحكومية التي تقدم منتجات غذائية متدنية الجودة والنوعية ، إذ نجد منتجات غذائية تحتوي مواد حافظة ووجبات غذائية غير صحية وفي أوقات مبكرة من اليوم.
ومعروف أن مرحلة نمو الطالب تتطلب نموذجا غذائيا صحيا سليما يجمع المكونات الغذائية اللازمة لبناء صحي وعقلي سليم.
ويطالب أولياء أمور في أماكن متعددة بضرورة توفير «موادَّ غذائية قيمة» في المقاصف المدرسية وتنويعها لئلا يضطر الطلبة للخروج خارج أسوار المدرسة بحثا عن أسواق للحصول على ما يلبي رغباتهم وتعريضهم للخطر.
في حين تفتقر كثير من المدارس ذات الفترتين إلى وجود للمقاصف المدرسية، حيث لايحصل الطلبة في الفترة الثانية على التغذية السليمة.
وقالت والدة الطالب محمد هديسات، أن النظام الغذائي المتبع لدى طلبة المدارس يفقتد للشروط الغذائية السليمة حيث ان الطلبة لا يحصلون على نوعية متكاملة صحية في أولى وجباتهم اليومية، فكثيرا ما يلجأ ابنها إلى تناول الأغذية المصنعة مثل رقائق البطاطا (الشيبس) والشوكولا التي تسبب زيادة الوزن دون تحصيل فائدة غذائية.
في حين لاحظت والدة الطالب سلامة اللوزي في الصف السادس أن ابنها كثيرا ما يلجأ في فطوره اليومي إلى تناول الوجبات الجاهزة التي تقدمها المدرسة الخاصة التي يدرس فيها، وفي وقت مبكر من النهار.
وهو، بتقديرها، ما يتسبب في نمط غذائي غير مناسب، وهي تهتم بأن يعتمد في غذائه في مرحلته العمرية على تناول منتجات الالبان والحليب لبناء نمو سليم.
وترى والدة علي خلف أن المدرسة يجب ان تخصص حصة أسبوعيا أو حتى شهريا، لتوعية الطلاب بمخاطر الأغذية الجاهزة والمعلبة.
ولأهمية الموضوع على المدى البعيد، تشدد على ضرورة غرس مفاهيم صحيحة في عقولهم وهم في مقتبل العمر ليتمكنوا من معرفة الأغذية وأثرها في بناء الجسم والعقل.
وخصصت وزارة التربية والتعليم برنامجا للتغذية المدرسية لتستفيد منه نحو 311 مدرسة حكومية شمال المملكة (المفرق، إربد،عجلون)، وهو مدعوم من برنامج الغذاء العالمي في الأردن، منها 28 مدرسة في مخيم الزعتري للاجئين السوريين ضمن 14 مجمعا تعليميا تربويا، وفق تصريح لمدير مكتب برنامج الغذاء العالمي في المفرق علي الحبشي.
وقال الحبشي إن نحو (50) ألف وجبة غذائية توزع يوميا على طلاب المدارس المشمولة داخل مخيم الزعتري والمناطق المجاورة لرفع تركيز الطلبة في الصفوف المدرسية في المراحل الأساسية وتحسين مستوى تحصيلهم العلمي بالتعاون مع الوزارة.
وأوضح الحبشي أن الوجبة الواحدة، التي تعد في مطابخ انتاجية أنشئت لهذه الغاية في الجمعيات الأردنية المحلية التي وقعت مع برنامج الغذاء العالمي، تحتوي على فطيرة مصنوعة من الجبن أو الزعتر أو السبانخ مع حصة من الفواكة و الخضار.
متابعة دورية
مدير إدارة التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم أمين شديفات يؤكد أن الوزارة «تتابع دوريا» آلية عمل المقاصف المدرسية من خلال تشكيل لجنة لتلقي السلبيات والايجابيات الواردة من الميدان، وتصوب المخالفات ودراسة احتياجات المدرسة.
ويقول شديفات أنه غالبا ما تتفق إدارة المدرسة الخاصة مع مطعم معين «مرخص» لتزويد المقصف المدرسي بالمواد الغذائية اللازمة، وتعتمد قائمة سعرية محددة دون المبالغة بالاسعار أو محاولة استغلال الطلبة.
أغذية ممنوعة
ويوضح شديفات أن هناك أغذية «يمنع تداولها في المقصف المدرسي» تتمثل بـ»المشروبات الغازية والصناعية، والعصائر التي تقل نسبة عصير الفاكهة فيها عن 30%، وتلك المحضرة يدويا، والشيبس المصنع من غير رقائق البطاطا والشكولاته واللبان (العلكة) والملبس الملون والمصاص ذات القيمة الغذائية المنخفضة بجميع أنواعها، والتوفي والنوجة التي تلتصق بالأسنان، والمكسرات. واللحوم والكبدة بجميع أنواعها.
وكذلك الاسكيمو والمثلجات وعبوات الحليب السائل المعقم طويل الأمد العادي أو ذي النكهات وعبوات اللبن المحفوظة في الثلاجة والعصائر الطبيعية المعبأة آليا.
لجان مراقبة
ولضمان سلامة محتويات المقصف المدرسي، يؤكد شديفات أن هنالك لجنة فنية مكونة من وزارتي الصحة والتربية والتعليم ومديرية شؤون المناطق التابعة للمؤسسة العامة للغذاء والدواء لتنفيذ حملات مشتركة على المقاصف المدرسية وتزويدنا بتقارير الكشف على هذه المقاصف لاتخاذ الإجراءات المناسبة لعدم تكرار المخالفات وفق التعليمات الناظمة لعام 2015.
ووضعت الوزارة حسب شديفات شروطا محدد للمقاصف المدرسية بشراء «الساندويشات والمعجنات الطازجة والمغلفة من المطاعم المرخصة حسب الشروط والتعليمات الصحية، والبسكويت بجميع انواعه العادي والمحشو والكعك المغلف اليا وتفضل الانواع المدعمة بالفيتامينات والاملاح المعدنية والشوكولا التي تحتوي على مواد غذائية دون اصباغ او نكهات صناعية والمعبأ آليا ضمن المواصفات والمقاييس الاردنية.
لجنة إشراف
مدير إدارة الشؤون المالية في وزارة التربية والتعليم عطا أبو نصير عرض تعليمات المقصف المدرسي التي تنص على تشكيل لجنة في الوزارة للإشراف على المقاصف المدرسية برئاسة الأمين العام للشؤون الإدارية وعضوية الأمين العام للشؤون التعليمية نائبا للرئيس، ومدير ادارة الشؤون المالية ومدير إدارة التعليم ومدير الحسابات، ورئيس قسم المقاصف المدرسية والهلال الأحمر مقررا.
ويوضح أن مهام لجنة الاشراف في الوزارة هي: رسم السياسة العامة للمقاصف المدرسية والعمل على تحقيق أهداف المقاصف وتطوير فعالياتها والموافقة على قرارات الصرف المتعلقة بحصة الوزارة وتتخذ اللجنة قراراتها بالأغلبية ووضع الأسس اللازمة لضمان تحقيق أهداف المقاصف وضبط عملية الصرف.
وأبرز الاشتراطات الصحية لتجهيز المقصف المدرسي، التي اطلعت عليها «الرأي»، هي: أن يكون المقصف داخل المدرسة وفي مكان بعيد عن مصادر التلوث البيئي ودورات المياه ومجاري التصريف أو تجميع النفايات.
ويفضل أن يكون داخل ساحة المدرسة أو قريبا من صالة أو قريبا من مظلة في ساحة أو ملعب المدرسة، ولا بد أن يكون مبنيا بطريقة تمنع دخول الغبار وتسرب المياه ودخول الحشرات وأن يكون عدد نوافذ البيع كافيا وبمعدل نافذة لكل 100 طالب.
الاشتراطات الصحية
وحددت وزارة التربية الاشتراطات الصحية والتي منها تنظيف المقصف يوميا وكلما دعت الحاجة بجميع محتوياته القابلة للتنظيف، وبعد انتهاء تناول الوجبات مباشرة، واستخدام المناديل الورقية ذات الاستخدام لمرة واحدة في تجفيف الأيدي، واستخدام المطهرات المخففة للقضاء على الجراثيم والبكتيريا على الأسطح التي تلامس الأغذية الطازجة وغسل الخضراوات والفواكه قبل استخدامها بماء نظيف ويفضل تعقيمها باستخدام مركبات التعقيم المخصصة لذلك مثل حمض الليمون (الستريك) أو بيرمجنات البوتاسيوم.
كما ويجب حفظ جميع الاغذية وفق شروط الحفظ الموصى بها من قبل الشركات الصانعة والمدونة على العينات الغذائية، وأن تكون جميع الأغذية سارية المفعول، على أن توضع المبيدات الحشرية والمطهرات والمنظفات مع أدوات النظافة بعيدة عن مكان تخزين الأغذية.
ووضعت الوزارة، حسب أبو نصير، الشروط الواجب توافرها في العاملين في المقاصف المدرسية ويجب توفر الشروط التالية لجميع العاملين بالمقصف والمشرفين والعاملين على تشغيل المقصف المدرسي عليهم المراجعة سنويا للمركز الصحي التابع لوزارة الصحة للحصول على شهادة صحية تثبت خلوهم من الامراض السارية والمعدية في بداية كل فصل دراسي.
وشددت تعليمات الوزارة على ضرورة استبعاد أي عامل تظهر عليه أعراض مرضية لحين زوال الأعراض المرضية وأن تكون مرفقة بموجب تقرير طبي صادر عن وزارة الصحة.
كما ويمنع تواجد أي شخص داخل المقصف المدرسي ممن لا يحمل شهادة صحية وارتداء زي خاص بالمقصف أثناء عملية البيع.
الغذاء الصحي
أخصائية تغذية تمارة الحلايقه تؤكد أن ما يتناوله الطالب يومياً يلعب دوراً أساسيا في صحة دماغه وبنية كل خلية ذهنية وعصبية، وكذلك موعد وجبته الصباحية فالنوع والوقت إما يجعله يقظاً سريعة الإستجابة أو قد يؤثر سلبياً بالخمول وضعف التركيز.
وتقول الحلايقة: يتأتى الغذاء الصحي من خلال إفطار متوازن (صديق للدماغ) يرتكز بشكل أساسي على توفر المصادر الثلاثة بروتينات وكربوهيدرات بطيئة الامتصاص ودهون صحية يمكن توفيرها ببساطة كالجبن أو البيض كالخبز أوالحبوب الكاملة ومصدر دهون صحيّة مثل زيت الزيتون.
ويمكن، وفق الحلايقة، إضافة مصدر سكر سريع مثل الفواكة أو العسل حيث أثبت فعاليتها في زيادة التركيز أكثر من الافطار على مصدر واحد فقط لأنّه يعمل على ضبط مستويات السكر في الدم مما ينتج عنه تزويد الدماغ بالطاقة بشكل منظم. ناهيك عن أهمية الوقت أن يكون قبل الذهاب إلى المدرسة لا أن تكون هي نفسها وجبة الإستراحة المدرسية.
وتشدد الحلايقة على أهمية تناول السوائل والتركيز على شرب كميات كافية من الماء لعدم الاصابة بالجفاف كي لا تؤدي إلى الارتباك ومشاكل في الذاكرة لذلك على الطلبة الالتزام بشرب مالا يقل عن 8 أكواب يومياً لتحفيز القدرة الدماغية وتوفير مصادر شرب آمنة في المدارس.
وهو ما يحد من مشاكل السمنة وسوء التغذية ونقص الفيتامينات والمعادن ومصادر الدهون الصحية المؤثرة على التركيز.
إذ تربط «السمنة» بتراكم الدهون الزائدة حول الأجهزة داخل تجويف البطن، والكولسترول الضار والدهون الثلاثية في الأوعية الدموية إلى التقليل من كمية الدم الواصلة للدماغ وبالتالي تأرجح في مستويات السكر والأوكسجين الواصلة إليه وضعف التركيز.
بالاضافة الى فقر الدم الناجم عن نقص الحديد الذي يؤدي إلى بطء في النمو العقلي والذهني وسرعة التعب والخمول وتأخر الاستيعاب لذلك من المهم التركيز على مصادر مثل اللحوم والخضار الورقية والأطعمة الغنية بفيتامين (سي) التي تعزز امتصاصه.
وتشير الحلايقة إلى دور الأهل والمدرسة في تعزيز البيئة الصحيّة مثل إيجاد مقصف مدرسي صحي أو كافيتيريا توفر وجبات صحية مع الاهتمام بالنوع ولا تكون من الوجبات السريعة والمأكولات الدسمة. وايجاد وجبات منخفضة السعرات الحرارية وخاصة لمن يعانون من السمنة وزيادة الوزن.
وتنبه الحلايقة، في حال رغبة الوالدين بتنفيذ البرنامج الغذائي اليومي للطالب وحرصها على ضمان النظافة الصحية، أن يشجعوا على إحضار وجبة الاستراحة من المنزل بدلاً من شرائها من مقصف المدرسة وتنبيهه على عدم شراء الأطعمة من الباعة المتجولين وأن تهتم بتنويع الأطعمة المقدمة، حتى لا يشعر بالملل من تكرار طعام واحد.
ودعت الحلايقة الأهالي للتوعية بإجراء الفحوصات المتعلقة بالفيتامينات وفحوصات الدم بشكل دوري لأبنائهم والحرص عليها، وتعليم الطلبة في المدرسة القواعد الأساسية للتغذية السليمة بطريقة بسيطة ومسلية وتصميم لوحات إرشادية في المدارس وفي داخل الصفوف عن أهمية وضرورة تناول الإفطار في المنزل، لإمداد الجسم باحتياجاته أثناء اليوم المدرسي والمساعدة على رفع قدرة الطالب على الفهم والتحصيل الدراسي.