«مطلب واحد حل محل القمم العربية معاش يضغط على الحناجر هو: «الرغيف». – د. شاكر مصطفى
نعم، ثمة هموم أخرى باتت تستأثر بالانسان العربي، هموم الحصول على «الرغيف» هي في أولوياته. لم يعد هذا الانسان العربي يثق بالقمم العربية، قد خبرها فوجدها عل «فاشوش»، بمعنى انها لا تسمن ولا تغني من جوع.
حبر كثير أُريق على الورق للتغطية على الهزائم العربية، لا تنفيذ لأية قرارات استراتيجية، تعيد اللحمة للتضامن العربي المهزوز. الكل منّا مسؤولون وقادة يتباكى على الواقع العربي البائس وكأني بهم لا يتحملون اية مسؤولية على الهوان الذي تعيشه الجماهير العربية. هم دوماً يلقون باللائمة على المستعمر دون ان ينظروا في المرآة ليروا مدى صدقيتهم من عدمها.
هم- ولا اقول كلهم– وكما قال د. شاكر مصطفى مُستعيداً شعر مجنون بني عامر:
كَذبّاح العصافير دائباً وعيناه من برد عليهن تهمل
فلا تنظري ليلى الى العين وانظري الى الكفّ ماذا بالعصافير تفعل.
الم يكن مجنون بني عامر، مجنون ليلى القديم محقاً حين انشد هذين البيتين؟
بتنا نحن العرب كالقطيع يُساق بالعصا اذا لزم الامر، ممنوع على اي منا ان ينبس ببنت شفه احتجاجاً على مشقة الحصول على «الرغيف».
حقوق الانسان العربي في معظم الارجاء العربية غدت مُداسة، منتهكة، شعارات كثيرة يتم رفعها على مدى عقود وعقود ذراً للرماد في العيون، تبحث عنها على ارض الواقع، فترى انها مجرد «قبض ريح»!
نلوذ بالدين، لا نسبر أغواره، ما نأخذه –او يأخذه الكثيرون منا منه- لا يتعدى الطاعة العمياء لهذا المسؤول او ذاك دون مساءلة! نرضى مرغمين باستبداده خانعين مستسلمين.
وصدق المفكر الكبير الراحل د. شاكر مصطفى حين قال في حوار اجري معه قبل وفاته، قال: «... وينكسر العربي يوماً بعد يوم، لا أمام عدوه فقط، ولكن قبل ذلك امام نفسه، تتناقص قيمته كإنسان، تهدر كرامته وهو مقطوع اللسان، وينهزم القانون ويسيطر السلاح باسم الثورية، ويدوسون على الحريات باسم الاصلاح والتصحيح، ويتوحد مفهوم السلطة والوطنية بحيث تصبح معارضة السلطة هي الخيانة الوطنية ولا وسط بين الطرفين». (كتاب حوارات وشهادات، ص 195، تأليف: توفيق ابو بكر).
المحصلة ان المعارضة العربية التي تطالب بالعدالة الاجتماعية والرغيف للانسان الفقير تقمع أو تسجن ان كانت حقيقة.
واقعنا العربي لا يبشر بخير. اقليمية ضيقة و»قُطرية» انعزالية، يلجأ اليها المسؤولون العرب. متناقضات عربية نعيشها كعرب في اوطاننا العربية، الكل يوهمك انه قمة الاخلاص للأوطان!
فلننظر الى الغرب، حيث حقوق الانسان الغربي مُصانة، لا تنتهك. ثمة ازمة في الفكر السياسي العرب. فكرنا السياسي العربي أسير الشعارات، يتعلق بالرومانسيات! صحيح ان دساتيرنا العربية تعلوها ديباجات مُنمقة، لكن مضمون هذه الدساتير يظل حبراً على ورق.
الانسان العربي الذي يجري وراء «الرغيف» ولا يكاد يظفر به الا بصعوبة لم تعد «السياسة» تشغله. هكذا تريد منه الانظمة السياسية، تريده مشغولاً بلقمة العيش. إن رفع رأسه محتجاً على واقع مرير تم قمعه لأنه المتآمر على أمن بلاده.
واقعنا العربي تشغله الحروب المحلية والمنازعات الطائفية والقطرية تلتهم اوطاننا، تمزقها. كأني نعيش «داحس والغبراء» من جديد!
تساءل المفكر الراحل محمد عابد الجابري في حوار أُجري معه: كيف يمكن ان نؤسس لديمقراطية عربية؟ وكانت إجابته: «ليس هناك في نظري من طريق الا طريق واحد: طرح مسألة «الشرعية» في الدولة العربية الحالية. هذا الذي يتصرف في «الرَّيع» ويوزعه بشكل ما، من اين له الحق في ذلك! من يعطيه الشرعية؟ هل الدين ام التاريخ ام التقاليد ام العقل واختيار المواطنين؟ فإذا لم تطرح مسألة الديمقراطية في الوطن العربي هذا الطرح الجذري، فإنها لن تجد طريقها الى ان تتأسس فيه».
تساؤل د. الجابري تساؤل مشروع، لكن مَن القادر في ظل هذا الوضع العربي البائس ان يُقرر كيف تُبنى هذه «الشرعية»؟ من يمتلك الجرأة فيطرح مثل هذا التساؤل؟
ظلموا الرعية واستجازوا كيدهم وعدوا مصالحها وهم أُجراؤها (المعري)
لا تحدثني عن «المعارضة العربية» اليوم فهي إما «مُدجنة» تلوذ بصمت وراءه «الرعب» من السلطة، أو متواطئة معها بصورة أو بأخرى. لا جذور حقيقية في اعماقها تشي بانها عازمة على إحداث التغيير.
الخلاصة ان الانسان العربي بات يغرق في الهم الاقتصادي لا احد يفكر في انقاذه من الغرق! ما اكثر «الغرقى» العرب في هذا الزمن الرديء!
الانسان العربي معتقل اللسان، لا يجرؤ ان ينتقد عواراً هنا او عواراً هناك. وإن فعل فقبضة السلطة قادرة على اسكاته، وسائل الاسكات لديها متعددة.
نظمنا العربية –الا القليل منها- لا تعترف بأخطائها وخطاياها، هي المصيبة دوماً!
اثق ان هذه النُّظم لو سارعت وفتحت حواراً عقلانياً مع شعوبها لتبدل الحال، ولأطلَّ فجر جديد على هذه الشعوب. فجر طال انتظاره.
الكثير من هذه النُّظم تعيش خارج الحياة، تتغنى بالديمقراطية، اما المفارقة فهي لا تمارسها على الارض.
«هموم أخرى تستأثر بالانسان العربي»
11:00 11-5-2018
آخر تعديل :
الجمعة