كتاب

ربيعنا..من فرديناند وايزابيلا إلى دونالد وتريزا!!

ما كتبه الصديق الدكتور صلاح جرار عن القراءة وفوائدها ومحاسنها ، فتح شهيتي للكتابة في ذات الموضوع تعميما للفائدة ، لأن كل الأحصائيات أثبتت اننا نحتل مرتبة خجولة بين الأمم من حيث القراءة والكتابة والتأليف والنشر ، رغم اننا امة ( اقرأ ) قبل أن يكتشف بعض الشعوب والأمم الغربية الحرف والكلمة.

اكتب في هذا الموضوع من وجهة نظر اخرى ، لأن هذه الأمة الفقيرة بعدد كتّابها وكتبها اليوم ، كان لها المجد الأول في عالم التأليف والكتابة ونشر الثقافة والعلوم والمعرفة بين الأمم في الماضي ، على سبيل المثال ، عشية سقوط غرناطة في بداية العام 1492، كان في مكتبتها الكبرى وحدها حوالي 400 ألف كتاب ، وهو رقم يتجاوز عدد الكتب المنشورة أو المقتناة في عدد من الدول الأوروبية مجتمعة.

على ذكر غرناطة يذكر التاريخ أن الحرب التي كانت تواجهها الأمارة كانت تنطلق في الربيع من كل عام ، وقتها كان اهل غرناطة منهمكين بحرب اهلية داخلية ( تدمير ذاتي ) ، أي انهم كانوا يعيشون ربيعهم العربي الأول. وهذا ما حدث في الأمارات الأندلسية المنقسمة المتحاربة الأخرى ، الى أن استسلم امير قرطبة محمد « ابو عبدالله الصغير» ، وسلم مفتاح المدينة لملك اراغون فرديناند وملكة قشتالة ايزابيلا ، وخرج من بوابة المدينة ومن التاريخ معا ، وهو الواقع الأندلسي الأقرب الى واقعنا الراهن ونحن نواجه تحدياتنا المعاصرة ورموزها ، في غياب فرديناند وايزابيلا وحضور دونالد ترمب وتريزا ماي.

يبدو أن اهلنا في الأندلس ، وبالذات في الفترة التي سبقت السقوط الكبير، اهملوا القراءة والكتابة والثقافة والمعرفة والعلوم، واهتموا اكثر بالرقص والمجون والأطعمة واللهو ، في حين كانت جموع الطلبة من المتعطشين للعلوم والمعرفة ، تتوافد من بريطانيا وفرنسا ووسط اوروبا الى قشتالة ، ومن هناك يتسلل الباحثون والطلبة الى قرطبة وغرناطة وتوليدو واشبيلية ومدن اندلسية اخرى ، لارتياد المكتبات العامة طلبا للعلم وبحثا عن المعرفة والثقافة والفكروالحضارة ، حتى أن الفيلسوف البريطاني اديلارد الذي زار الأندلس في ذلك الوقت اعترف في كتبه انه اقتنع بقوة العقل عندما تعلم المدخل العلماني البحثي للعلوم الطبيعية من العرب.

استفادت اوروبا من بقايا نهضتنا الثقافية الحضارية المهجورة ، وتقدمت اكثر على طريق نهضتها وحضارتها ، عندما اهتمت بتعليقات وشروحات ابن رشد على مؤلفات ونظريات ارسطو الفلسفية بحيث انهت المواجهة بين الدين والفلسفة ومنحت الفلسفة استقلالها ، ثم تبعها فصل الدين عن الدولة ، وهوالقرار الجريء الذي نقل اوروبا الى عصر التنوير والمشروع النهضوي الغربي والثورة الصناعية في وقت لاحق.

اسهبت في قراءة التاريخ كي افهم الحاضر ، كما ان قراءة التاريخ تفيد في تشكيل صياغة المستقبل. وارى ان المقارنة او المقاربة بين المشهدين ( الماضي والحاضر ) مهمة جدا، لأن الربيع العربي الراهن يشبه ربيع الأندلس حتى التماثل ، في ظل انهيار نهضة حضارية واطلالة عصر انحطاط تذوب فيه كل القيم ويفتقر الى دينامية حركة التاريخ ، اضافة الى ان الأمم والشعوب الجاهلة التي لا تقرا تكون عاجزة عن تكوين الوعي بالحاضر وتطوراته ، فتتوغل في الخطأ والخطيئة لحد اشتهاء العبودية ، بل تشتريها.

لذلك ندعو الى تعزيز عادة القراءة والمتابعة ، من اجل تكوين وتشكيل الوعي الوطني ونشر الثقافة والمعرفة ودعم الفن الهادف.الحقيقة انني اشعر بالحزن عندما ارى الأصطفاف في طوابير طويلة من اجل الحصول على صحن فول او كنافة او رغيف شاورما ، أو اشاهد صورا لطابور من الشبان في بلد عربي بانتظار شراء هاتف جديد من اجل التفاخر ، او التزاحم امام بوابة ملعب كرة لمشاهدة مباراة ، او الاهتمام بشراء نمرة سيارة مميزة ، قد يكون ذلك من حقهم ، ولكن ما يحزنني أن لا احد من هؤلاء لديه القدرة على التضحية بخمس دقائق من وقته لقراءة صحيفة او ارتياد مكتبة عامة او شراء كتاب لاقتنائه وقراءته.

هذه الشعوب وانظمتها غير امينة على مثقفيها وكتابها ومبدعيها ، وتخسر اجيالها، وبالتالي تفقد وعيها ، وربما هويتها ، وتضل طريقا.. أو تصل الى الواقع السوريالي الذي نعيشه اليوم.