الحديث عن عيد العمال لم يعد جاذبا ومشوقا للمتابع ، لأن شروط العمل تغيرت وظروف العمال تغيرت ، وادوات الأنتاج تطورت في عالم كله قيد التغيير المتواصل استجابة لحركة التاريخ. في البداية كانت مطالب العمال معروفة ومحددة تطالب بتحسين ظروف العمل وتأمين العيش الكريم للعمال ورفع اجورهم ، وقبل كل شيء تقسيم اليوم: ثلث للعمل ( 8 ساعات ) ، وثلث للراحة واللهو ، وثلث للنوم ، وعندما انطلقت الثورة الشيوعية قبل مئة عام تبنت عيد العمال فصار مناسبة نقابية شيوعية اممية ، لذلك تخلت عنه بعض الدول الرأسمالية.
اليوم ، وبعد انهيار الأتحاد السوفياتي اصبح عيد العمال مناسبة باهتة ، وفقد الأحتفال معناه الحقيقي ، حتى احياء هذه الذكرى في الساحة الحمراء في موسكو صاراقرب الى الأحتفال الفولكلوري ، وبعضهم يسميه عيد الربيع ، لأن الواقع يفرض شروطه المعاصرة في عالم يتغير بسرعة ، خصوصا في عصر العولمة وقواعدها الخاضعة للهيمنة الرأسمالية ، لذلك ارى أن طبقة الفقراء هي الفئة التي اخذت موقعها البارز لهم في المجتمعات ، وصار من الضروري تحقيق مطالبها الملحة التي تكرست وتكدست في غياب العدالة الأجتماعية وسوء توزيع الثروات.
بمناسبة الحديث عن الطبقتين في عيد العمال ، واعني العمال والفقراء ، يجب أن نفتّش عن الاقتصاد ، لأن المشكلة الأقتصادية هي ام المشكلات والازمات وهي التي تقود الى نشوء الأزمات السياسية والاجتماعية والانسانية ، حتى الحروب القديمة والجديدة لها جذور اقتصادية ، فالدول التي تشعلها عادة هي الدول التي لها مصالح واهداف اقتصادية ، هذه الحقيقة ثابتة منذ الحروب الصليبية وما قبلها ، الى الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وأخيرا وليس آخرا الحروب العربية القائمة اليوم ، كلها حروب اقتصادية اولا ، رغم أن البعض يطلق عليها اسماء وعناوين دينية في محاولة للتلاعب والتمويه.
المتبعون لتفاصيل ومراحل الحروب المشتعلة اليوم في سوريا وعدد من الدول العربية ، يرون انها بدأت على شكل انتفاضات شعبية تطالب بالحرية والديمقراطية ، ثم تحولت الى صراعات داخلية ، ولكنها تحولت بقدرة قادر الى حروب اوسع واشمل تورطت فيها اطراف اقليمية ودولية ، وتحولت الى حروب كونية محدودة ، لها اهدافها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وفي تدمير البلاد العربية وتقويض هياكلها الاقتصادية والسياسية ، واغراقها بالفوضى والعنف والارهاب ، وبذلك تم اعادة هذه البلاد الى ما قبل قيام الدولة ، وتحويلها الى كيانات غارقة بالفقر والديون.
حدث كل ذلك نيجة مخطط أميركي لتحقيق المشروع الأشمل الهادف الى تقسيم البلاد وتحقيق المصالح الاسرائيلية، ثم توزيع الغنائم وتحقيق الأهداف الاقتصادية والسياسية المنشودة ، وفي مقدمتها تقاسم النفط والغاز قبل كل شيء ، ثم المال الذي يشغل بال الرئيس الأميركي ترمب ، وهي مطالب اميركية لن تتوقف عند حد.
لذلك ارى أن البلاد العربية من الخليج الى المحيط ستواجه ازمة اقتصادية كبرى ، لان سلب ونهب الثروات العربية لها اثار جانبية على البلاد العربية كلها ، وتؤثر سلبا على اقتصاديات الدول العربية غير المنتجة للنفط والغاز ايضا.
وهنا يجب أن لا استثني احدا ، لأن الدول العربية واقعة وسط مثلث اقليمي أقوى ، اطرافه تعي مصالحها جيدا ، ولكل دولة من حولنا مصالحها ومشروعها وأطماعها في توسيع مجالها الحيوي ، واعني تركيا واسرائيل وايران ، ولكن لكل مشروع شكله ومضمونه ، بحيث يختلف عن المشروع الأخر من حيث الرؤية والمصالح والمخاطر والأهداف.
في النهاية اقول ان هذه الحروب ، في حال استمرارها ونجاح اهدافها ، ستعيدنا الى القرون الوسطى ، وتحولّنا الى امة من الفقراء والخدم ، أو على الأقل طبقة من العمال في خدمة الأمم والشعوب والدول الأخرى. لذلك نقول ونكرر أن الصراع في سوريا بالذات هو البداية والنهاية ، واذا خرجت سوريا من هذا النفق منتصرة موحدة ارضا وشعبا ، ستعيد صياغة مستقبل المنطقة كلها ، لأن سوريا تشكل الآن حدا يفصل بين تاريخين.
فتّش عن الاقتصاد بين ركام الحروب!!
11:00 2-5-2018
آخر تعديل :
الأربعاء