عندما يقف الرئيس ترمب فوق المنصة ، أو امام وسائل الأعلام ، يعرف من يخاطب وكيف يتحدث ، فهو يستخدم الأسلوب العفوي الفوضوي العنجهي الذي يصل الى المتلقي لأميركي فيداعب عواطفه ويتلاعب بغرائزه ، لأن هاجس الرئيس ترمب ، منذ دخوله البيت الأبيض هو التجديد والانتصار في معركته القادمة.
كنا نستخف بحركاته واسلوبه وننعته باوصاف كثيرة ، ولكن الثابت أنه يعرف طريقه جيدا كما يعرف « من اين تؤكل الكتف « فهو لا يريد تحالفات سياسية خارجية دائمة ولا يريد فتوحات عسكرية جديدة ، فكل همه هو جلب المزيد من الأموال فتحوّل الى جاب من اجل تشغيل المصانع وتوفير المزيد من فرص العمل ومكافحة البطالة في الولايات المتحدة وبالتالي تحسين صورته وتحصين موقعه في الداخل الأميركي.
بلوغ هذا الهدف احتاج الى مشروع خلق « الفزّاعات « وجر الدول للعب على حافة الهاوية وبناء قوس من التوتر يمتد من بكين الى برلين ، لأن الرأسمالية المتوحشة التي فقدت روحها الانسانية لا تملك سوى القيم البائسة التي لا تنتج سوى الحروب والخراب. هذه الخطة الأميركية تشكلت من ثلاث محطات اتناولها بايجاز :
المحطة الأسيوية: اثار الرئيس الأميركي الغبار النووي فوق شطري كوريا ، ونثر التوتر في البحر الصيني واشعل حربا تجارية مع الصين ، ودفع باتجاه مواجهة نووية في اية لحظة ، ثم بدأ باصدار الفواتير الى كل من كوريا الجنوبية واليابان بدل الحماية الأميركية. ولكن يبدو أن قادة كوريا بشطريها قفزوا الى زورق النجاة ونزعوا فتيل التوتر ، عبر قمة تاريخية عقدت في المنطقة الفاصلة منزوعة السلاح بين زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون ورئيس كوريا الجنوبية مون جاي ان.
كانت خطوة ذكية تم خلالها الاتفاق على تطبيع العلاقات بين الكوريتين ، وتحويل هدنة 1953 الى معاهدة سلام دائم وبالتالي كوريا بشطريها منطقة منزوعة السلاح النووي. هذا الاتفاق ابطل الحاجة الى وجود أميركي في كوريا وحولها. واشنطن رحبّت بنتائج القمة ، ولكن لا اعتقد انها صادقة واشك بنواياها ، واتوقع أن تبدأ بالتشويش على المعاهدة ، والتشكيك بمصداقية الزعيم الكوري الشمالي بهدف تخريب الاتفاق قبل أن يجف الحبر على الورق..
المحطة الشرق اوسطية: منذ ترشح دونالد ترمب الى منصب الرئيس وهو يتحدث عن الدول النفطية الغنية. وبعد فوزه ظل يكرر ذات العبارة في كل المناسبات ، وبحضرة كل ضيف في البيت الأبيض ، بطرقة رخيصة مقززة ، فهو يتعامل مع الدول المعنية بعقلية « التاجر أو القومسيونجي « ، يريد نهب الثروة ، تدمير كامل القدرة العربية التي بدأت باحتلال العراق.
هنا اعترف انه لدي القدرة على تقديم اقتراحات أو حلول لمواجهة اطماع الرئيس ترمب فاهل الثروة والقدرة ادرى. ولكن ما استطيع قوله أن الظرف التاريخي ، والواقع العربي الراهن سمح له بهذه المبادرة التي تجاوز فيها كل حدود اللياقة ، فهو يطلب الطاعة والمال باستعلاء صاحب الحق. بالمقابل أقول أنه لم يفت الوقت بعد لحل كل مشكلاتنا وقضايانا وحروبنا العربية بالحوار والتفاهم والحل السياسي والمصافحة والمصارحة والمسامحة ، على غرار ما حدث أخيراً في شبه الجزيرة الكورية ، لمواجهة اطماع الرئيس ترمب وفواتيره.
المحطة الأوروبية: دفع الرئيس ترمب بريطانيا وحلف الناتو الى استفزاز روسيا وخلق حالة من التوتر غير مسبوقة على تلك الجبهة ، وفي ذات الوقت قرر الضغط على اوروبا بفرض رسوم جمركية على الحديد والصلب ، هذا العقاب سببه موقف دول الاتحاد الأوروبي من الاتفاق النووي الأيراني ، اضافة الى تحصيل الأموال بدل الحماية من «الخطر الروسي « حيث قدم الفاتورة الأولى الى المستشارة الألمانية ميركل خلال زيارتها للبيت الأبيض ، والتي غيرت موقفها فاعلنت فورا ان الاتفاق النووي غير كاف لكبح القدرة النووية الايرانية.
قبلها هرع الرئيس الفرنسي ماكرون الى واشنطن مذعورا في زيارة كانت مثيرة للدهشة بتفاصيلها غير المسبوقة منذ ان اهدت باريس تمثال الحرية لمدينة نيويورك بمناسبة المئوية الأولى لاستقلال اميركا. ومن داخل الكونغرس اعلن ماكرون أن الاتفاق النووي مع ايران غير كاف ويجب تعديله مع فتح قضية الصواريخ الباليستية. الحقيقة أن هذا السلوك المتعجرف تجاه اوروبا سببه «عقدة الحضارة « أيضا !!
هي لعبة حافة الهاوية ، وخلق « فزاعات « في كل الجهات ، وهي اللعبة التي اتقنها الرئيس ترمب بهدف الابتزاز ، عبر القوس الذي يمتد من بكين الى برلين ، بالمقابل ارى أن العالم بحاجة الى أن يستعيد روحه التي سلبت.
لعبة حافة الهاوية من بكين الى برلين
11:00 29-4-2018
آخر تعديل :
الأحد