بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية طفا على السطح غرور بعض الليبراليين الجدد في اميركا بالذات، راحوا يسوقون ان عصر الايديولوجيا قد انتهى وبانتهائه انتهى «التاريخ». والمعنى ان المشروع الغربي الليبرالي قد انتصر على ما عداه وان «الاشتراكية» قد تم دفنها! من هؤلاء الباحث الاميركي فوكوياما. ففي كتابه «نهاية التاريخ» يبدو غرور المنتصر، والمنتصر –وفق كلامه- هو النظام الرأسمالي.
فوكوياما يزعم ان أعلى مراحل تطور الانسانية يكمن في نشر الديمقراطية الغربية، فهي في نظره مفتاح السعادة لشعوب العالم. وعليه فنهاية التاريخ قد تمت.
وفي تعليقه على هذا الزعم الذي يقف وراءَه الغرور يقول المفكر والاكاديمي المغربي المرموق د. كمال عبد اللطيف تحت عنوان «الايدولوجيا وأسطورة النهايات» «إن أُطروحة فوكوياما في عمقها ترتبط بجوانب اخرى تتعلق الصراع الايديولوجي في أمريكا والصراع الايديولوجي الأميركي-الاوروبي، ثم الصراع الايديولوجي العالمي». (المعرفي والايديولوجي في الفكر العربي المعاصر، ص 54، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت).
بالمقابل ورداً على أُطروحة فوكوياما المبتذلة اطلَّ علينا المفكر الاميركي بول كيندي بكتابه «صعود القوى العظمى وانحطاطها» يفنّد فيه مزاعم الرجل معتبراً ان صعود كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة سيعقبه انهيارهما. والمعنى ان النظام الراسمالي مصيره الانهيار ايضاً.
فوكوياما يصرف النظر عن الأزمات الحادة التي تعاقبت على «الرأسمالية» مزهواً بقوة اميركا العسكرية والاقتصادية والتي لا تضاهيها اية قوة في العالم.
يُنظّر هذا الباحث للديمقراطية الغربية باعتبارها هي التي ستجلب السلام والرخاء للعالم، وكما لاحظ د. كمال عبد اللطيف ففوكوياما «يروم التنظير للمتغيرات العالمية الجارية وذلك بالصورة التي تتيح له التأسيس النظري لما يمكن ان نسميه «السطوة الأميركية على العالم، فهو يرى ان السلام سيستتب بين دول العالم، وذلك بضمان سيطرة الغرب بقيادة أميركا». (المعرفي والايديولوجي، ص 55).
بهذا التنظير يبشر فوكوياما بمولد النظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكل. وقريباً من وجهة النظر هذه يلقانا كتاب «صدام الحضارات» لهانتجتون، في كتابه هذا يدافع عن الهيمنة الغربية ويغمز من شأن الحضارات العالمية الأخرى وبخاصة الحضارة العربية/الإسلامية.
كلاهما فوكوياما وهانتجتون بلغ بهما الصّلف حداً ينفي اية مساحة لحوار الحضارات، فثمة صراع بينها الغلبة فيه للحضارة الغربية! كلاهما يحرّض على حرية الشعوب، يدعوان الى التطرف، يوظفان المعارف الانسانية توظيفاً ايديولوجياً يشجع على استباحة العالم ونهب خيراته بحجة نشر الديمقراطية والقضاء على التخلف!
نكتة سمجة بلا شك يسوقانها بلغة مخاتلة «تبدو محايدة في الظاهر» بينما هي «عنصرية» وعرقية!
ان اسطورة نهاية التاريخ وصدام الحضارات توظفها الليبرالية الجديدة بهدف رسم خريطة جديدة للعالم تكون الهيمنة فيها لأميركا. ألم يُسمِّ الليبراليون الجدد الأميركيون هذا القرن ب»القرن الأميركي»؟
يتناسى هؤلاء ان فلسفة التاريخ تعلمنا ان الشرط الانساني للحياة هو الذي ستكون له الغلبة في النهاية من داخلها -وأعني الرأسمالية- سيحدث انهيارها آجلاً أم عاجلاً!