ثقافتنا العربية منذ العهود الغابرة وحتى اليوم لم تحسم بعض «المتضادات» التي تربك عقول المتعلمين إن في المدارس الثانوية أو الجامعات. ثمة «ثنائيات» اسهب في الحديث عنها عالم التربية الراحل د. محمد جواد رضا في أحد مؤلفاته التربوية. أحصى هذا العالم عشر ثنائيات قيمية تفسد أية تنمية حقيقية ما لم تتحرر الأجيال الناشئة منها: هذه الثنائيات العشر هي:
- الدين ضداً للعلمانية
- الاوتوقراطية ضداً لحكم المؤسسات
- التقليد ضداً للإبداع
- السلطة ضداً للحرية
- القبلية ضداً للتعاقد الاجتماعي
- المحسوبية ضداً للكفاية الفردية
- الاستعلاء الذّكري ضداً لتحرير المرأة
- الجهوية ضداً للوطنية
- الزراعة ضداً للتصنيع
- الثروة ضداً للفقر
قلت إن ثقافتنا العربية والإسلامية لم تنجح بعد في حسم هذا التناقض لصالح التنمية الإنسانية في مجتمعاتنا. مازال «الخُلف» موجود ومستعربيننا حول هذه «المتضادات»
مازال تحقيق «التوازن العقلاني» بين ما نجعل منه قسراً «متضادات» وما هو متضادات مسألة بعيدة المنال.
هناك مثلاً تحديات اجتماعية أسبابها مادية وحلها لا يتم «بغير اخضاعها لمنطق العلم تحت القيادة الأخلاقية للدين» (د. محمد جواد رضا «استعادة الذات الوطنية»، ص 147، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، 2008).
أما «الاوتوقراطية» في مجتمعاتنا، فما من وسيلة لمجابهتها غير «التربية» على التفكير الحر واحترام الرأي الآخر. وأما «التقليد» وهو ضد الابداع، فالتغلب عليه إن كان عقبة حضارية فلا يتم الا «بتقوية روح الابداع عند المتعلمين وتبصيرهم بأن الماضي يمكن ان يكون مصدراً من مصادر الحكمة ولكنه لا يستطيع ان يقدم حلولاً لمشاكل».
وفي تعليق منه جريء على «السلطة ضداً للحرية» يقول هذا المربي الكبير: «تربية المتعلمين على ان الحقيقة يمكن ان تكتشف فقط لا ان تُلقّن مسألة مهمة. «التلقين يُلغي حرية الفهم ومعرفة الأسباب. التلقين طريق معبدة الى العبودية الفكرية التي هي أخطر أنواع العبودية».
وأما «القبلية» فيمكن معالجة خطرها بتعزيز علاقات الفرد مع الآخرين.
أما «الاستعلاء الذكري» فيُحسم بتعويد الفرد على تقبل إنسانية الانسان ذكراً كان ام أنثى.
وفيما يخص «الجهوية»، فيمكن معالجة تداعياتها من خلال احترام «الهوية الوطنية».
وأما «الزراعة ضداً للتصنيع»، فتعالج سلبياتها بالتوجه بوتيرة متعاظمة نحو التدريب التكنولوجي وبيان الخصائص النوعية للمجتمع الصناعي.
وبالنسبة «للفقر ضد الثروة» فلا حل لهذه المعضلة بغير ترسيخ «العدل الاجتماعي»، وهو –مع الاسف- مازال مفقوداً في مجتمعاتنا
يركز المربي الراحل د. محمد جواد رضا على دور «التربية» في بناء المجتمعات البشرية بناءً حضارياً سليماً تزول من خلاله هذه «المتضادات». التي كرّستها السُّلطة الحاكمة و»الاوتوقراطية» التي لا تخدم التوجهات الانسانية النبيلة.
يستعرض المؤلف في كتابه حال بلدان استطاعت بعد الهزائم التي حاقت بها أن تنهض وتستعيد عافيتها مشيراً الى المانيا وفرنسا واليابان في أعقاب الهزائم العسكرية التي مُنيت بها في القرنين التاسع عشر والعشرين وكيف استطاعت بِ»هندسة البناء التربوي» أولاً ان تعيد لشعوبها ثقتها بالنفس، وألا تدخل في مرحلة اليأس والعجز
في كتابه الجدلي يأخذ الكاتب على مناهج الدراسة العربية ضيق مساحة الدراسات الثقافية، وهو ما نلمسه بخاصة في مناهج المرحلة الثانوية والجامعية حيث يسود تهميش «الفكر الناقد» في هذه المناهج
إن بناء «الذات الوطنية في المجتمعات ومنها مجتمعاتنا العربية والاسلامية لا يتم بالوعظ والخطب الحماسية لهذا المسؤول او ذاك، بل يتم بتفعيل التربية الانسانية والوقوف بحزم في وجه العقابيل التي تحول دون احترام انسانية الانسان.
ما هو مؤلم فعلاً ان الكثير من مثقفينا العرب الذين نهلوا علومهم في الجامعات الاجنبية يشيدون في محاضراتهم وندواتهم بِـ «الهوية الوطنية» ولكنهم عند الممارسة تراهم - ولا اقول كلهم - «قبليين» حتى النخاع يسيرون عكس معنى الحديث النبوي الشريف «انصر اخاك ظالماً او مظلوماً». بمعنى انهم لا يردعون الظالم من قبيلتهم إن ظلم بل يبررون ظلمه إنه التعصب الاعمى
هذه التناقضات في حياتنا العربية آن أن تنتفي، آن أن نكسب اقوالنا ممارسة على الارض، آن أن نكون أصحاب وجه واحد لا وجهين.
إن غياب «الذات الوطنية» هو سبب الفواجع العربية التي نعيشها هذه الأيام. الرؤية الضيقة والتفسير الخاطئ لحديث «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» سبب رئيس لأنهار الدماء البريئة التي تسفك هنا وهناك.
نحن بحاجة إلى احترام إنسانية الانسان مهما كان مذهبه أو ملتّه أو طائفته.
«مُتضادات» لم تحسمها بعد ثقافتنا العربية
11:15 20-4-2018
آخر تعديل :
الجمعة