أكتب اليوم عن الدكتور فهد الفانك، شخصية وطنية لا أعرفها على المستوى الشخصي، فالعامل المشترك بيننا أننا أبناء مدينة الحصن عروس الشمال، نعتز بإنتمائنا ونترجم جزءا من وطنيتنا عندما امتهنا الكتابة على صفحات جريدة الرأي، وها أنا أكتب عنه اليوم لقناعتي بخسارة شخصية جدلية خلافية، مثل منهجا صائبا مختلفا بفكر وأسس التحليل الذي يعتمد على الأرقام ويمكننا القول أنه مدرسة لتعلم فنون الأداء والطرح والاختلاف، بل وهناك مساق متخصص في فلسفة الإبداع لأصول تسويق فكرة تبدأ بجس نبض الشارع وأصحاب القرار تحت مسميات تناسب الذوق، وربما تخدم المصلحة الوطنية بعد تحليل مكوناتها وإعادة ترتيب أبجدياتها، ونحن ندرك أن الموت هو المصير الذي ينتظر الفرد وندرك أيضا أن اختيار التوقيت هو ارادة ربانية يصعب العبث أو التدخل فيها، فلحظات الوداع الأخيرة مؤثرة ومؤلمة، وربما يتضاعف الأثر عندما يكون الفقيد يحتل مساحة وطنية تتعدى حدود مساحة العائلة والأصدقاء والمعارف وهو الواقع المترجم للحال على رحيل عميد الصحافة الأردنية الدكتور فهد الفانك، حيث فقدنا رأيا جريئا يطرح قضايانا ويلامس أمانينا الاقتصادية منها أو السياسية، فإن اختلفنا معه أو اتفقنا فهو بالتأكيد هرم أردني بامتياز، وربما من باب الأمانة أن أذكر أنني عندما أكون خارج حدود الوطن أو في أزمة من الوقت للاطلاع، فوصيتي للعائلة دائما للاحتفاظ بالصفحة الأخيرة من جريدة الرأي لقراءة المقالة عندما أعود، وهذا شكل عندي درجة من الادمان على القراءة والنقد والتعلم فهي الافتتاحية للقراءة الصحفية اليومية، فعنوان المقالة بالتحديد كان يمثل درسا بأبجديات الكتابة تجذب القارئ، بينما المحتوى عبارة عن وجبة دسمة من العلم والتحليل والحجة والبرهان المبني على فرضية المعرفة بهامش من الحذر.
هناك ميزة بمقالات الدكتور الفانك قد انفرد فيها عبر مسيرة حياته تتمثل بالخاتمة للمقالة التي تصلح عبرة وربما تلخص فكرة طويلة ومعقدة، وتحتاج لتنهيدة ووقفة على كلماتها وحروفها حتى موقع فواصلها تزودك بسحر المعرفة وأصول التحليل للبناء، وهي تلائم موضوع المقالة وتتعدى أحيانا لتناسب موقفا يفرض ذاته بأحداث مختلفة، ذلك الأمر جعل منه عملاقا ينفرد بقدرته على فرض احترامه للقارئ حتى وإن اختلف بمحتوى المقالة خصوصا عندما يكتب بعيدا عن السياسة حيث الجرأة في الطرح في القضايا الخلافية والحساسة والتفسير بحجة الواقع الذي يخلو من المجاملة حتى لو تكلف الأمر بإضافة فرد جديد من المتربصين، فكان يترفع دائما عن الرد على مهاترات البعض بردودهم عندما يصل الأمر للتهم والمهاجمة الشخصية للمعرفة، فيقفز باحترام لايمانه أن الاختلاف ظاهرة صحيحة أسست لترسيخ مبادئ الديمقراطية التي ننادي بها ونحلم بامتلاكها، فهو كان حتى مقالته الأخيرة بالرأي ويوم وفاته عرابا شرسا للتعامل مع الواقع الاقتصادي على مستوى الدولة والفرد والابتعاد عن الفرضيات التي تبنى على مبدأ المساعدات، لأنها وإن كانت تمثل استحقاقا فهي مرتبطة بمواقف شخصية للآخرين الذين يجدون فيها وسيلة ضغط على الأردن لموقف أو قرار، فقد تبنى عبر سنوات طويلة عنوان رفع الدعم عن السلع الغذائية وتسويقها بالسعر الحقيقي حماية للطبقة الفقيرة والوسطى، فتلك السياسة أفرزت طبقة رمادية موازية للطبقة الغنية بظلها وفقراتها نتيجة قدرتها على امتلاك التحكم بمفاتيح سحرية، فكنت شخصيا معارضا لفكره بهذا الأمر وأطرح استفهاما على إصراره بكل المناسبات لاحياء الفكرة يصل لدرجة الاتهام أحيانا، وربما أنه قد رحل عن الدنيا بعد أن تحققت مصداقية رؤيته بالتعامل مع الواقع وإلغاء الدعم الذي طالب به بهدف دعوتنا لإعادة النظر بمسار من سلوكياتنا التي تتعدى حدود قدرتنا، فمقاصة التضحية على مستوى الفرد يمكنها تجميع ثروة حقيقية للاكتفاء الذاتي، وكان صاحب نظرية النصيحة قبل حدوث البركان ومراجعة سريعة لهذة الزاوية تظهر بأنه أصاب بتوقعاته بدرجة الامتياز.
الدكتور فهد الفانك مثل نهجا صائبا مختلفا
11:00 15-4-2018
آخر تعديل :
الأحد