يستيقظ اهل الشام صباح كل يوم على صوت فيروز ، وهي تنشد أجمل قصائدها لمدينة الياسمين وحاراتها القديمة العابقة بشذى الورد الجوري المشبع بالتاريخ العربي الأصيل والسيرة الأموية. ولكن فجر يوم السبت الماضي كان مختلفا ، كان ألدمشقيون على موعد مع زائر الفجر الغريب ، يحمل اليهم دوي انفجارات الصورايخ ، كذلك ضجيج ارتطامها بالصواريخ السورية المعترضة ، قبل وصول بعضها الى اهدافه القليلة المهجورة أو المدمرة ، كما اتضح في وقت لاحق.
في ذلك الصباح ، واعني بعد « عدوان الفجر « توقفت طويلا عند ثلاثة وجوه نسائية كانت تقرع طبول الحرب ، واعني: الأميركية نيكي هايلي ، ورئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي ، ووزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي ، ولكن هذا النعيب تلاشى مع شروق شمس يوم جديد ، ومع اطلالة صوت فيروز التي انحازت للحياة والتاريخ والجمال الذي يحمينا ، تخاطب الشعب الواحد فتمدهم بالقدرة على الصمود أمام الواقع وتنشد للجميع « يا شآم انت المجد لم يغب «.
منذ البداية كان اجماع المتابعين والمهتمين على أن الرئيس ترمب سيضرب في سوريا لا محالة ، بعد تورطه باعلان قراره عبر تغريدة على التويتر ، وهي خطوة غير مسبوقة في تاريخ أميركا التي كانت تحكمها المؤسسات ، ولكن الثابت أن ترمب باصراره على القيام بهذه المغامرة أراد تصدير ازماته الداخلية ، خصوصا انه يقود ادارة مضطربة ، اضافة الى أنه وجد في المنطقة من يسانده ويشجعه على تنفيذ تهديداته.
والذي دفعه أكثر باتجاه العدوان هو تحالفه مع فرنسا الساعية الى العودة للمنطقة لأخذ نصيبها من الغنائم ، وبريطانيا التي قامت بدور الطبّـال في جوقة الحرب ، فعندما يهدأ الرئيس الأميركي أو يتردد كانت تريزا ماي ( تشعللها ) من جديد ، وهو ذات الدور الذي لعبه بلير في الحرب على العراق.
ما حدث فجر السبت كشف صراحة عن أهداف أخرى للعدوان الذي وقع قبل التحقيق في مزاعم أصحاب « الخوذ البيضاء» الذين يظهرون في كل وقت تتعرض فيه الفصائل المسلحة المتطرفة للهزيمة ، كما أن العدوان بدأ مع وصول بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية الى مواقعها في دوما ، وهذا يعني انه لم يعد اية قيمة لتقريرها ، فقد سبق السيف وتمت الضربة بأقل الخسائر !!
الذين شنوا عدوان الفجر الثلاثي على سوريا ، ومن ايدهم ، لا يريدون لسوريا أن تخرج من النفق المظلم ، فهم يدعمون المسلحين لادامة الفوضى حتى تقويض الدولة وتقسيم البلاد ، لأن وراء هذه الحرب بعض الأهداف الأستراتيجية ، واقصد الصفقة الكبرى ، وتصفية القضية الفلسطينية ، اضافة الى قضية غائبة ، أو بعيدة وهي مسألة استثمار الغاز في الحقول البحرية السورية ، في مواجهة الغاز الروسي ، والا لماذا هذا الأصرار على ادامة الحرب في سوريا ؟
بهذه المناسبة يتساءل البعض عن غياب الموقف الروسي الميداني العسكري في مواجهة هذا العدوان الخاسر الفاشل. الحقيقة أن روسيا دولة كبرى لها مصالحها ، ولها استراتيجيتها ، ولا يمكن النظر الى الرئيس بوتن كمستأجر شقة مفروشة في حي « ابو رمانة « يتحرك في حال تعرض مسكنه للخطر ، فهناك معاهدات عسكرية واتفاق دفاع مشترك وعلاقات ومصالح مشتركة بين روسيا وسوريا.
لذلك يجب متابعة التفاصيل السابقة واللاحقة للعدوان ، ففي البداية كانت روسيا تستعدة للمواجهة العسكرية ، وبعثت رسائل واضحة للبيت الأبيض ، ولكنها عادت عن هذا الخطاب المتشدد وبدأت الحديث عن حلول سياسية للمشكلة ، صاحب ذلك اخراج سفنها الحربية من ميناء طرطوس ، وهذا يعني انها علمت بموعد وحجم الضربة الصاروخية ، واذكر أن وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس مارلي كشفت عن تمرير معلومات حول العدوان للقيادة الروسية ، بحيث تم اخلاء الكثير من المواقع ، ووفق هذه المعلومات المسربة ، تركت روسيا وايران للمضادات السورية التصدي للعدوان ، ولم يكن هناك حاجة للتصعيد أو الأشتباك مع قوى عظمى قد يتطور الى حرب كبرى.
في النهاية اقول أن نتيجة لهذا العدوان الثلاثي الفاشل ، الذي لم يغير شيئا في قواعد الأشتباك ، خرجت سوريا اقوى سياسيا وعسكريا ، وكسبت المزيد من التعاطف والتاييد الشعبي على امتداد الوطن العربي والعالم.. ولكن لا ارى أن الأمور توقفت عند هذا الحد فسيكون هناك تداعيات كثيرة وكبيرة لهذا العدوان.
.. وتحطمت الصواريخ عند الفجر !!
11:00 15-4-2018
آخر تعديل :
الأحد