كتاب

أطفال الأناشيد ... كلاكيت:ثاني مرّة

كبر التلميذ الصّغير,استطال معه بنطاله بعد إن كان قصيرًا. أصبحت زوّادته من شريحة خبز مع ما تيسّر من مونة الدّار لبنة جبنة نابلسيّة زيت وزعتر. أصبح يرفض حمل (السّفرطاس) بعد أن شبّ عوده وأصبح(رجّالا) أصبح يلبس حذاء أكبر وقد خطّ شاربيه زغب اليفاعة.

مدرسة أخرى نقل ورفاقه أليها أوسع قليلًا، حيث صبّت أفرع من مدارس أحياء أبتدائيّة متواضعة كما في مدرسته ذات القباب باتّجاه مدارس هُيّئت للمرحلة الأعداديّة. مدرسة من نوع آخر وجرس من نوع آخر!!. كان الآذن أبو الفضل مُكلّفًا بقرع الجرس. الجرس الجديد كان جرسًا ضخمًا بحجم عشرين من ذاك الجرس النّحاسي الرّقيق الصّغير الجميل والذي كان صاحبنا يعشقه ويتمنى أن يقف ليهزّه بفخر، مهمّة كانت لا تعطى إلّا لأنسان مهم. الجرس الجديد كان وحشا ,هيكلا حديديا لإطار سيّارة (جنط) وقد علّق في مكان مرتفع قليلا (يضرب) أبو الفضل الهيكل الحديدي بعنجهيّة وشوفة حال بقضيب من حديد على حافّته فيطنّ يرنّ يدوّي يقصف صوتًا عاليا رخيما كصوت رّعد فوق رأسك، يسمع صوته وصداه كلّ من في الديار والجوار ممّن هم متأخرين يتسكّعون بطيئًا نحو مدارسهم فيهرعون أليها, وتعرف ربّات البيوت التوقيت الصّحيح, فيضبطون حلل طبيخهم على(بوابير)مواقد الكاز.

لم يكن للعائلة.. أي عائلة آنذاك مركبة أوإثنتين أو خمس, لم يكن هناك حافلات صفراء للمدارس ولا يحزنون. كان التلميذ الطالب الصّغير يسير على قدميه في حرّ الصّيف وقرّ الشّتاء وبلله. كانوا سعداء بما حباهم الله راضين بما يعرفون وكأنّهم يملكون الدّنيا.. ولا دنيا سواها (مستورة و...الحمد لله).

تنتظم الصّفوف. يقف مدير المدرسة ومن حوله ثلّة من المعلّمين وقد علّق علامة أستفهام كبيرة على محيّاه. ينظر إلى الطلبة نظرة طولة عريضة يشعر كلّ طالب أنّها موجّهة أليه فقط.. أنا أراك.. أراقبك. تختفي تهمد الأصوات. يجول سعادة المدير برفقة أحد معلّميه بين الصّفوف يستعرضها كما القائد المغوار. لم يعد ينظر إلى أظافرهم ألى شعورهم ملابسهم و أحذيتهم بالتّفصيل بل نظرة عابرة.. وكفى. أصبحوا رجالا صغارا, لا يليق ذلك. تجاوزوا تلك المرحلة, وعوا واجباتهم, اعتادوا على النّظافة والترتيب و حسن الهندام و السّلوك والسّعي الدّؤوب نحو الأخلاق الحميدة والعلم. أصبح المدير والمعلّمون يعاملونهم من مبدأ أن كبر أبنك.. خاوية لكن لا تدعه يغيب عن ناظريك. اختفت العصي من المنظر. لم يعد لها مكان بعد أن (كفّت ووفّت)حتى في مظهرها في مرحلة الأبتدائيّة. القليل من المعلّمين كان يرتدي طربوشًا، كان الطربوش في طريقه ألى المتاحف كذكرى جيّدة أو سيّئة!هذا ليس مدار البحث. أصبح جميع الذّكور فارعي الرُّؤوس أشعرهم وأصلعهم.

يقف معلّم على منصّةعالية, يرفع يده ألى عنان السّماء تمّ يلوّح بها كما المايسترو المتمرّس ليبدأ(الطّلبة) بالإنشاد: (بلاد العرب أوطاني) (موطني موطني) و... أناشيد أخرى جديدة.أناشيد اللحظة والواقع والمرحلة: (قسمًا بالنّازلات الماحقات, و الدّماء الزّاكيات الطاهرات, والبنود اللّامعات الخافقات في الجبال الشاهقات الشّامخات: نحن ثرنا فحياة أو ممات, وعقدنا العزم أن تحيا...(الجزائر)...فاشهدوا (مصر التي في خاطري وفي دمي) (الله أكبر..والله فوق المعتدي) (أخي جاوز الظّالمون المدى... فلسطين تحمي حماك الشّباب) كان العَلَم بألوانه الثلاث يرفرف فوق السارية, كان يراه للمرّة الأولى. كان التلميذ الصغير في المدرسة الصّغيرة.. ينشد أناشيد تخاطب الوجدان ويتغنى فيها بالوطن الكبير, بالوطن كلّ الوطن. لم يكن يعرف إلّا أن الدّنيا من حوله هي..الوطن، حتى ألعابه الحجرية كانت جزء من الوطن. أصبح طالبا صغيرا قد وجد نفسه يقف على مساحة أكبر من سنّه, أصبح ينشد لكلّ قطر من أقطار الوطن الكبير حسب جرحه و بما يناسب وضعه: أناشيد للأردن لفلسطين لمصر للجزائر لليمن و...و. لكن ليس على حساب أناشيد (الوطن) الواحد الكبيرالجميل وهكذا كان!!. لم لا يكون؟!

mbyaish@gmail.com