كتاب

البيت الأبيض .. «عش صقور اليمين » !!

المشهد الأقليمي العام ، رغم تشعباته الدولية ، نراه واضحا بكل جوانبه واسبابه واهدافه وتفاصيله ، خصوصا ما يتعلق بالحرب في سوريا وحولها ، الا أن الموقف الأوروبي من هذه الأزمة ما زال يلفه الغموض ، ربما لاسباب نجهلها ، او ان تلك الدول مجبرة على اتخاذ هذا الموقف تحت ضغط اميركي ، أو لاسترضاء واشنطن ، على حساب المصالح الأوروبية بشكل عام ، ورغم جرحها النازف بسبب الأرهاب.

نعم ، الأرهاب ضرب في اكثر من دولة اوروبية ، والعملية الأرهابية في تريب بجنوب فرنسا هي ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة ، لأن الخطر ما زال قائما ومتوفرا ، لأن تنظيم داعش الذي تبنى العملية لم يعد فصيلا مسلحا فحسب ، بل تحوّل الى تيار فكري عقائدي سياسي ديني ، وهو الوريث للقاعدة التي نشأت برعاية أميركية في ولاية بيشاور الباكستانية في العام 1984 ثم انطلقت عملياتها من مسجد الفاروق في بروكلين ، حيث تلقى « الجهاديون « تدريباتهم العسكرية القتالية باسلحة اميركية وتحت اشراف ضباط من الولايات المتحدة ، من أجل محاربة المد الشيوعي ، ومواجهة الجيش الأحمر والنظام الشيوعي في افغانستان في ذلك الوقت.

وفي تصريحاتهم المتلاحقة يعلن قادة الدول الأوروبية انهم شركاء في محاربة الأرهاب ، ولكن الظاهرة اللافتة للأنظار أنهم يستيقظون فجأة ، وترتفع اصواتهم « الأنسانية « ، حين يتقدم الجيش السوري ويحشر المسلحين المتطرفين في زاوية ضيقة ، وهي اصوات منسجمة مع الموقف الأميركي تماما ، وكأنهم لا يريدون انهاء الحرب ، أو السماح بحسمها عسكريا ، بهدف اطالة امد انشغال سوريا بجرحها النازف وازمتها الطويلة ، وبالتالي خلق الظروف التاريخية والواقعية لتمرير المشروع الأميركي المشبوه ، ليس في سوريا فحسب ، بل يهدف الى تصفية القضية الفلسطينية ، وربما يشمل تغييرات في انظمة دول اقليمية أيضا.

وعلى ذكر الموقف الأميركي والمشروع المشبوه ، نلاحظ أن الرئيس ترمب تجاوز صلاحيات المؤسسات الحاكمة ، وهيمن بشكل فردي على دوائر صنع القرار ، كما قام بطرد كل من أعترض على قرار له أو ناقش افكاره ، وبالتالي حشد حوله مجموعة من اليمينيين المتشددين المتحمسين الذين يدفعونه للقيام بمغامرات سياسية وعسكرية تتماهى مع رؤيته ، وتشبع رغباته ، وتحاكي طموحاته الجامحه ، وفي النهاية ترضي الحركة الصهيونية ، وفي مقدمتهم مندوبته في مجلس الأمن العنصرية الحاقدة نيكي هايلي واليميني المتطرف جون بولتون مستشاره الجديد للأمن القومي ، والذي له تاريخه الحافل بالكراهية ، وسمعته العنصرية ، وهو الناشط في مشروع القرن الأميركي الجديد ، ومشارك فاعل في المعهد اليهودي للامن القومي الأميركي.

الحقيقة أن اخراج جون بولتون من ارشيف اليمين المحافظ الى دائرة الضوء وتعيينه مستشارا أمنيا في هذه المرحلة بالذات ، يثير الريبة والقلق والشكوك حول توجهات الرئيس ترمب المستقبلية ، ونواياه في التعامل مع الأزمات القائمة خصوصا ما يتعلق بايران وسوريا وكوريا الشمالية ، لأن المعروف عن بولتون مدى ارتباطه بالمنظمات والمؤسسات والمعاهد السياسية اليمينية المتشددة.

ويذهب البعض الى ما هو ابعد من القلق والشك ، حيث يسود الأعتقاد بأن التشكيلة الجديدة في الأدارة الأميركية والتي تحيط بالرئيس ترمب هي عبارة عن تجمع للصقور في الأدارة الأميركية ، وجودها قد يخلق حالة من عدم الأستقرار في العالم ، أو يقود الى حالة من تهديد السلم العالمي ، خصوصا اذا حاولت هذه المجموعة تعطيل دور الأمم المتحدة أو الأنسحاب من مؤسساتها ، وبالتالي تحويل الحرب الباردة التي كانت سائدة الى حروب ومواجهات ساخنة في أكثر من موقع في العالم ، رغم وجود توازن الرعب الذي من المفروض أن يجعل واشنطن أن تعيد حساياتها.

وبهذه المناسبة أرى أن من واجب دول الأتحاد الأوروبي ، وهي أكثر عقلانية ، أن لا تتبع الشر ، أو تسمح لبريطانيا التي ادمنت التبعية لواشنطن أن تجرها الى خلق ازمة مع روسيا ، كما عليها أن تكون صادقة وعازمة وحاسمة في الحرب على الأرهاب الذي ضرب في ديارها ، والذي يجري اجتثاثه في سوريا ألآن ، لأن المسألة تجاوزت المعارضة السورية الداخلية وتحولت الى مواجهة مع التنظيمات الأرهابية التي تتلقى التمويل والتسليح من الخارج ، الى جانب الدعم السياسي والاعلامي من جهات ليست خافية على احد.