كتاب

عبد الرحمن النجاب و «جيبيا أول المشوار 1923»

يقول المثل الصيني: لا تسبّ الظلام.. وأوقد ولو بشمعة» عبد الرحمن النجاب

في كتابه «جيبيا اول المشوار 1923» يروي المهندس المعمّر عبد الرحمن النجاب بعضاً من ذكرياته التي منها ما يعود الى اربعينات القرن الماضي، فالرجل من مواليد 1923، وما زال يتمتع بذاكرة قوية. أما «جيبيا» –أي المكان المرتفع- فإسم اطلقه الكنعانيون على هذه القرية الواقعة الى الشمال الغربي من المدينة الفلسطينية رام الله، وهي مسقط رأس صاحب هذه الذكريات، عبد الرحمن النجاب الذي بلغ الخامسة والتسعين من العمر هو واحد من الرعيل الأول الذي شهد أهوال الانتداب الإنجليزي ومن بعده عنصرية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين كل فلسطين.

سأقف عند بعض ذكرياته وهو الذي حصل على شهادة الماجستير في التعليم الزراعي عام 1966 من احدى الجامعات الأميركية. وبعد عودته من اميركا واصل عمله في وزارة التربية والتعليم الى ان أُحيل على التقاعد وهو لم يتجاوز الخامسة والأربعين من العمر. وبعد تقاعده عمل خبيراً مع هيئة الأمم في مجال التعليم الزراعي في كل من ليبيريا والعراق وسيراليون. والآن هو مقيم في عمان.

في احد فصول الكتاب يحدثنا النجاب عن زيارة له الى المرحوم القائد عبد القادر الحسيني بطل معركة القسطل، كانت الزيارة عام 1948 في قرية عين سينيا. يقول صاحب هذه الذكريات: «بينما كنا نتحدث حول احوال البلاد وأخبارها، صمت قليلاً وهو ينظر الى حيث يأتي بعض المجاهدين. انتظرهم حتى اقتربوا وقال متسائلاً: هل من جديد؟ أجابه احدهم: بنعم! وتابع الحديث قائلاً: «وقد استلمنا للتو شحنة من الأسلحة من مصر وفيها خمسة مدافع من نوع برن». بدا الارتياح على وجهه، وطلب منهم ان يبادروا الى تفقدها وصيانتها. لم تدم مشاعر الارتياح طويلاً، فسرعان ما عاد أحدهم بالمعلومة التالية: «لايمكن اصلاحها فجميعها ينقصها نفس القطع» وهنا قال الحسيني: «لماذا اذا اشتريت ونقلت وهي في هذه الحالة؟» (المرجع السابق ص 66). سؤال يظل حائراً!

انها «ثورة بدون سلاح»

ثم يروي النجاب حكاية أخرى محزنة ففي عام 1948 قام الاستاذ محمود حبيّة ابن قرية عين كارم المحتلة بجمع أموال من أهل قريته وسافر الى مصر لشراء بعض الاسلحة. وعندما وصل الى مدينة بيت لحم المحتلة كان القائد عبد القادر الحسيني قد استشهد بعد ان نفد سلاحه القليل». أما المفارقة فأن يحل محله رجل المخابرات الانجليزية اللبناني الجنسية منير ابو فاضل. «فتصور- رعاك الله- من منصب رفيع في المخابرات الى قائد ثورة شعبية، حيث قام هذا القائد بمصادرة كل الاسلحة». (المرجع السابق ص 67). مفارقة عجيبة في زمن تكثر فيه المفارقات العربية اليوم.

يحدثنا النجاب بعد ذلك عن دخول الجيوش العربية الى فلسطين بعد انسحاب الانجليز. «وكان معظم افرادها من المتطوعين غير المدربين (الجيش المصري). مع الأخذ بعين الاعتبار عدم توفر الاسلحة عند السكان للدفاع عن انفسهم. وبالرغم من ذلك فقد اظهر الجيش العربي الاردني بطولات في الدفاع عن منطقة اللطرون والقرى المجاورة. كما قام الجيش العراقي بالمحافظة على جنين والقرى المحيطة بها. يضاف الى ذلك صمود الجيش المصري في غزة». (المرجع السابق ص 67).

وفي موقع آخر من الكتاب يحدثنا النجاب عن «منع تعلم اللغة العبرية» والحكاية «ان معهداً في رام الله بدأ بتعليم اللغة العبرية وحدث ذلك بعد توحيد الضفتين. وكان المعلم المسؤول عن الجيش العربي الأردني، وقد سجل لهذه الدورة عدد من المعلمات والمعلمين كنت من ضمنهم». فمن عرف لغة القوم أمن شرهم». (المرجع السابق 70).

أما المفاجأة فإن الشرطة العسكرية حضرت الى المعهد وهددوا بإغلاقه وكانت التهمة «أننا نتعلم اللغة استعداداً للتأهل كي نصبح جواسيس». (المرجع السابق ص 70)

ويتساءل النجاب هنا: «ترى كم من الصهاينة تعلم اللغة العربية بل وأتقنها»»؟ (المرجع السابق ص 70)

بالطبع ربما كان الظرف آنذاك شديد الحساسية مما أدى الى مثل هذا التصرف تحسباً واحتراساً.

وفي حكاية أخرى يروي النجاب كيف ان رجلاً استضافه آل النجاب في منزلهم بعد ان تقطعت به السبل بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، المفارقة ان هذا الرجل وهو في الضيافة سمع المذيع الاسرائيلي يدعو سكان الضفة الى رفع الرايات البيضاء حفاظاً على سلامتهم «فسارع هذا الرجل الى منشفة كانت منشورة على الحبل وأراد تعليقها إلا ان أخي سليمان كان له بالمرصاد –والكلام لبعد الرحمن النجاب- وقال له: «هذا آخر بيت يمكن ان ترفع عليه الراية البيضاء، مرحباً بك بيننا تأكل مما نأكل، وتواجه المصير الذي يمكن ان نتعرض له جميعاً اذا أردت» (المرجع السابق ص 117).

وبعد، ان كتاب «جيبيا اول المشوار» وإن كان يروي ذكريات شخصية لصاحبها فإنه يعرض لجانب من مآسي الشعب الفلسطيني الذي ما زال يحلم بأمل العودة في زمن عربي أغبر