يقرع الّآذن(قاسم)الجرس.يهزّه بيده:جرس من قلنسوة نحاسية بيد خشبيّة يتدلّى من حلقها كرة نحاسية صغيرة تضرب جانبي الجرس فيتوالد الرّنين النّحاسي إيذانًا ببدء الدّوام في المدرسة.يسمع الطّلبة المشاغبون السّاهون الرّنين.يهرعون إلى الوقوف طوابير من عشرات بنظام وانتظام شديدين،لن تعرف أنهم هم أولئك الشَّيَاطِين.يطلّ مدير/مديرة المدرسة ومعه/معها كوكبة المعلّمين/المعلّمات من فرسان(التربية)والتعليم هناك.كلّ يضع طربوشه على رأسه أحمر بلون الدّم مكويّا منتصبًا نظيفًا.منهم من يعنقره جانبا ومنهم من يلقيه إلى الخلف لتظهر خصلة شعره تباهيًا،و...الكثيرون منهم يُحكِمه ليغطي مقدمة الرّاس حتّى حدود ناصية الجبين.لا إلتزامًا بأصول طرابيشيّة ولكن سترًا لرأسِ لحديقةِ جرداء صلعاء لا شعر فيها(سداح مداح).في ذلك العصر عصر وزارة المعارف ثمّ التربية والتعليم،كان التلاميذ و(أهلوهم من خلفهم)يهابون يحسبون حسابا لمعلّميهم إحترامًا أدبا و ًحسن أخلاق وتربية بيتيّة و..تلافيا للعصى لمن عصى.عصيّ من غصن نخلة أو مطرق من شجرةرمّان.البعض كان يفصّلها لدى نجّار يتقن فنّ التّأديب و...التربية.
يصطفّ التلاميذ الصّغار ببناطيلهم القصيرة في ساحة المدرسة.ساحة متواضعة لبناء قديم حيث تتحلّق الصّفوف حول ممرّ وسطيّ سار فيه التاريخ ولا بدّ أن يسير فيه كلّ معلّم وتلميذ.هي مدرسة أبتدائيّة متواضعة في الخمسينات من العقد الماضي الذي أنفرطت بقيّة حلقاته بلا أسف لوداع أو ذكريات تستحقّ أن تذكر وتُتَذكّر.
يبدأ المعلّم المناوب وعصا المايسترو في يده يؤشّر بها ليبدأ التلاميذ الكبار ينشدون على مسمع من حديثي التّلمذة ومنها صاحبنا في أوَّل أيامه في المدرسة وقد لَبْس بنطالًا قصيرًا وزمّ وعاء الأكل( السفرطاس)بيده:(نحن الشّباب لنا الغد... ومجده المخلّد نحن الشّباب...شعارنا طول الزّمن عاش الوطن...عاش الوطن)،(بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان... ومن نجد ألى يمن إلى مصر فتطوان.فلا حدّ يباعدنا ولا دين يفرّقنا)،(موطني، الجلال والجمال والسَّمَاء والبهاء في رباك.هل أراك...في علاك تبلغ السّماك...موطني).
كان التلاميذ آباؤنا آبَاؤُكُم(الآن)يصطفّون ليستعرضهم مربّي الصّف.نعم كان يطلقون عليه(مربّي)الصّف،في كلّ ما في هذه الكلمة من معنى وصلاحيّة للتّصرّف في تربية(تلاميذه).كان يُحاسب على أدائهم حين يتعرّض الصّف لغارة تفتيش من مدير المدرسة او من مفتّش وزارة المعارف(التربية)والتعليم. يمر طابور المفتّشين ،يقف التلاميذ يمدّون أياديهم الصّغيرة مفتوحة ثمّ مقلوبة حينما يمرّ كلّ معلّم(مربّي الصّف)على مرأى من المدير ،ليقف أمام كلّ منهم ،يفحص النّظافة.نظافة آبائنا/آبَاؤُكُم،أمّهاتنا أمّهاتكم التلاميذ.
كانوا يلبسون/يلبسن ملابس متواضعة لكن...نظيفة.لم يكن يهمّ المعلّم نوع الثياب من أيّة ماركة او ثمنها,نظافتها كانت ما يهمّه,كان يسعى إلى النّظافة:نظافة اليدّ الأظافر(مقلّمة)نظافة الشّعر يخلو من أيّ مخلوقات تسعى بين بصيلاته,شعر مرتّب نِظيف قصير,أو محلوق على نمرة واحد أو أثنين ربّما صفرًا مكعبًا لدى حلّاق لا يرحم شعرًا:يصفّ التلاميذ كأسنان مشطه..يبدأ بخرط شعورهم بمكنة يدوية,صناعة(ألمانيّة) بكلّ فخر ورثها عن أبيه،هو يسرد تاريخها لكلّ من حالفه التاريخ للجلوس على ذلك الكرسي الثابت من جلس عليه تشيرشل و رومل ونابليون,كرسي ثقيل ثابت عريض ذو يدين.هي النّظافة التي تهمّ المعلّمين:نظاقة الخلق والعقل والبدن والثّياب حتى الحذاء.
يكبر التلاميذ الأجداد والآباء/الأمّهات... على وقع أناشيد أصبحت جزءأً من تاريخهم وجودهم كيانهم ومستقبلهم.يكبر الآباء (أبنائهم)على منوال قريب.يشبّ الأحفاد.في طوابير هم طوابير المساء لاتستمع لدى البعض الكثير سوى نشيد(الهلا...بالخميس)وما لفّ لفّته..خسارة كبيرة.ما يعزّينا وجود العديد منهم/منهنّ ممّن يُؤْمِن/يؤمنّ بأنهم من الشباب...لنا الغدُ. وأنّ بلاد العرب...أوطاني.وبأنّ موطني...موطني، فيه الجلال والجمال والسَّمَاء والبهاء.ليتنا نعود تلاميذ لننشد لنكون من جديد..أطفال...أبطال...ألأناشيد.
أطفال... الأناشيد
11:00 23-3-2018
آخر تعديل :
الجمعة