كتاب

بـيـن الـتـروّي والـتـردّد

يتذرّع كثير من المتردّدين في قراراتهم وإجراءاتهم بذريعة التروّي، وهم بذلك لا يدركون الفارق الكبير بين التردّد والتروّي وفوائد كلّ منهما ومضارّه ومتى يلزم ومتى لا يلزم، والمسؤول أو القائد المتمرّس والحكيم هو الذي يدرك الفرق بينهما ويلتزم بحدود كلّ منهما.

إنّ التروّي في اتخاذ القرار أو الإجراء الإداري أو القانوني هو علامة من علامات الحكمة في الإدارة السليمة، وهو يعني عدم اتخاذ القرار أو الإجراء قبل دراسة ملابسات القضيّة المطروحة دراسة متعمّقة ووافية والوقوف على أبعادها المختلفة والتأمّل في نتائج القرار أو الإجراء من النواحي الإيجابيّة والسلبيّة وبحسابات الربح والخسارة ماديّاً ومعنويّاً وعاجلاً وآجلاً، بالإضافة إلى استشارة المعنيين والمختصين وأصحاب الرأي والخبرة، وبذلك يكون قراره محكماً ودقيقاً قلّ أن يعترض عليه معترض او تظهر فيه ثغرة تبطله أو تعيق إنفاذه.

وللتروّي حدودٌ زمانيّة لا يجوز إغفالها أو تجاوزها، لأنّ للزمن في بعض الأحيان تأثيراً في إفقاد القرار مضمونه أو أهميّته، فإذا كان القرار على سبيل المثال متصّلاً بمكافحة موجة من الجراد، فإنّ التأخّر الزائد في اتخاذ القرار تحت ذريعة التروّي سوف يؤدّي إلى تمكين الجراد من أكل الأخضر واليابس، ويصبح القرار بعدها لا قيمة له، وكذا يقال عن أي إجراء أو قرار لمواجهة أي مرض أو آفة أو أزمة، فإنّه كلّما زاد التأخّر في اتخاذ القرار المناسب للمواجهة كلّما ازداد خطر هذا المرض أو الآفة أو الأزمة وازداد تعقيدها وصعوبة حلّها، ولذلك فإنّ التروّي الزائد عن حدّه لا يقلّ خطراً عن التردّد.

والتردّد من أهم الدلائل على عجز الإدارة وإخفاقها، وهو يعني أن يقدّم المسؤول أو الإداري رِجلاً ويؤخّر أخرى، وربّما يقدّم الرِجل ذاتها ثمّ يؤخّرها، وهذا دليل على عدم ثقة المسؤول بقراره أو بإجرائه وعدم دراسته دراسة وافية وشاملة وعميقة.

وإذا كان التروّي، الذي يراعي أهمية الزمن، يزيد من نسبة احتمالية نجاح القرار وسلامته، فإنّ التردّد يخفّض كثيراً من احتمالية سلامته، لأنّ فيه إضاعة للوقت ومغامرة في القرار أو الإجراء تماماً كالذي يقطع شارعاً يخلو من إشارات المرور وهو متردّد.

لقد أثبتت التجارب أن التردّد في اتخاذ القرارات يؤدّي إلى نتائج عكسيّة وغير محمودة وإلى قرارات تكون في أغلب الأحيان هزيلة وضارّة وتكشف عن ضعف المسؤول وسوء إدارته.

salahjarrar@hotmail.com