كتاب

مكسيم غوركي: «التاريخ الحقيقي للإنسان يكتبه الفنانون»

هل كان الأديب الروسي الكبير مكسيم غوركي مصيباً ام مخطئاً حين أورد هذه المفردات الممتلئة في كتاباته النقدية؟ لماذا همش دور المؤرخين في كتاب] التاريخ؟

غوركي كان ناقماً على طبقة من المؤرخين زَوّرت الوقائع تقرباً للسلاطين ومن هم في قمة السلطة. تزوير مازال يُمارس الى اليوم. على انه حين أشاد بالفنانين من أدباء ومبدعين آخرين كان يقصد هؤلاء الملتزمين بالشفافية وتصوير الواقع الانساني في مجتمعاتهم تصويراً واقعياً بهدف التغيير للأفضل، بعيداً عن الملق والنفاق. أما هؤلاء الذين اعتادوا أن يسيروا في ركاب السلطة المستبدة فقد نعتهم بالكذابين والمزوّرين للواقع.

لنسترسل اكثر في هذا المجال ولنلق نظرة فاحصة على تاريخنا العربي القديم وحتى الحديث منه، فسنرى الكثيرين منهم من زوّر الواقع طائعاً او مرغماً، في حين من صدق وقال الحق دفع ثمنه من دمه –كما يقول المؤرخ الكبير الراحل د. شاكر مصطفى في حوار أجراه معه كاتب هذه السطور قبل وفاته-. وهو هنا يتمثل بما قاله الصابئ حين دخل عليه صديق له فسأله عما يفعل، فقال: «أباطيل أنمقّها وأكاذيب أُلفقها» مشيراً الى كتابه التاجي في تاريخ البويهيين!

وفي تصوري أن الكثير من تاريخنا العربي القديم بل والحديث لم يسلم من مثل هذا التلفيق والتزوير طمعاً في حظوة ومال يجنيه من الممدوح متزلف أو مُزوّر لواقع. وما اكثر من زوّروا الواقع كما فعل الصابى الذي اعترف بالتزوير!

غوركي كان صادقاً –كما أرى- وهو يخص المبدعين من الفنانين بأنهم الأقدر على تصوير تفاصيل واقعهم، وبخاصة الروائيين الذين يتغلغلون في أدق تفاصيل واقعهم الانساني. يسخرون من حيف هنا وحيف هناك، من مهزلة قد يتعامى عنها المؤرخ أو يعدّها مأثرة من مآثر حاكم زمانه المستبد. الروائي الصادق مع نفسه، بأسلوبه ورمزيته قد ينجو من الرقابة فيصور واقعه دون ان يخفي دمامته.

وهنا أتساءل: لماذا نعشق الاعمال الابداعية لنجيب محفوظ ويوسف ادريس وعبد الرحمن الشرقاوي وعبد الرحمن الخميس وطه حسين وجبرا ابراهيم جبرا وغيرهم من المبدعين الشرفاء؟ لماذا نعشق رسومات الراحل ناجي العلي الذي دفع حياته ثمناً لمصداقيته؟ اليس لأن هذه الابداعات لم تزوّر او تفتري على الواقع؟ اليس لأنها بريشتها فضحت الغش والتدليس؟

لماذا تستهوينا الاعمال الابداعية لأمثال هؤلاء؟ اليس لأنها حملت مسؤولية الكلمة فصدقت في رسم حياة المهمشين من مواطنيهم؟ اليس لأنها لم ترض ان تحرق البخور بين ايدي السلطات الحاكمة فتتغاضى عن سلبياتهم؟ ويبدو ان عصرنا الحاضر قد ادرك ان المبدع العربي المؤمن بالكلمة الصادقة بات يشكل خطراً على سلطته، فبتنا نسمع عن اوصياء جدد على العمل الابداعي يمارسه الى جانب الرقابة او الرقيب واقصد بعض رجال الدين والمشايخ الذين ينسجون على منوال السلطة مبررين لها تجاوزاتها بحق شعوبها. هذه الممارسات تحاول خنق ابداع شرفاء الكلمة ومصادرة ابداعاتهم تحت ذرائع مختلفة كالقول إنها تتحدث ولو برمزية عن فساد و»عوار» غير موجودين هنا وهناك. إن سخرية الفنان تدخل ضمن الفن الراقي لأنها تحمل مسؤولية تجاه الحياة وهذا ما قصده غوركي.

حين سخر الراحل ناجي العلي من مفارقات واقع دميم تعيشه أمته العربية، كنا نضحك من هذه السخرية، لكنه الضحك الذي يخفي وراءه ألماً لحال أمة تنهش بعضها بعضاً.

اغتيل ناجي العلي لأن بعض من أحسوا ان هذا المبدع صاحب الكاريكاتير الهادف كان يقصدهم برسوماته فأجهزوا عليه. اخرجتهم هذه الرسومات عن طورهم فبطشوا!

حين قال المفكر العالمي مونتسكيو حاملاً على الاستبداد الشرقي «إن هذا الاستبداد مدرسة في الشرق يتوارثها جيل عن جيل». كان في كلامه بعض الحقيقة. رغم ما قد يقال من أن في كلام مونتسكيو بعض المبالغة، فإن بعض ما ذكره ينطبق على كثير من حكام هذا الشرق الذين يريدون من كل مبدع ان يصور الانهيارات العربية التي اوصلنا اليها المستبدون من بعض القادة والزعماء على انها مجرد نكسات سيتم التعافي منها بسرعة! كلام للاستهلاك المحلي.

وقد عبّر الناقد فيصل دراج عن هذه الظاهرة الشاذة اصدق تعبير حين قال في حوار أجري معه: «إن السلطة التي تضع كل شؤون المجتمع داخلها تنجز تحويلاً تاريخياً مأساوياً، يسحب المجتمع والدولة من الزمن الحديث الى أزمنة قديمة».

اختم بالقول مقتبساً مفردات للكاتب العراقي عبد الحسين الهنداوي ذكرها في مقال له بعنوان: «تأملات في الاستبداد الشرقي» منشور في مجلة «الاغتراب العربي» التي كانت تصدر في لندن، العدد السابع 1987، «إننا شعوب تحب المديح والورنيش». المستبد يحب ان تمدحه إن كنت مؤرخاً او أديباً. أما اذا انتقدته فالسيف لك بالمرصاد حتى نصيحة المستبد باتت خطاً احمر.