كتاب

ما يعجز عنه السرطان !!

عندما تجلس في قاعة الأنتظار في مركز الحسين للسرطان ، بين حشد من المرضى ، وامامك طابور طويل من الموجوعين ، تنتابك مشاعر غريبة غير مألوفة فيها مزيج من الشفقة على ذاتك والتعاطف مع وجع الآخرين ، خصوصا الأطفال الصغار وكبار السن.

الأنتظار قد يطول ويستغرق ساعات ، فتتأكد أن لا مفر من اللحظة ، تجلس تراقب الوجوه باهتمام تجول بناظريك كعدسة تصوير ، أو انك تلعب دور شاهد يغوص في أعماق المصابين من حولك ، في قلوبهم سكينة وهدوء وسلام ، في عيونهم رجاء وامل ، وعلى وجوههم مسحة من حزن ونعاس وألم مكبوت.

بعدها تهاجمك الهواجس غير المسبوقة ، وتتساءل بدهشة واستغراب: لماذا هذا الكم من ضحايا السرطان ؟! وهنا أذكر ان الدكتور عاصم منصور عندما قابلته في وقت مضى ، قال لي أن نمط الحياة المدنية ، وانواع الطعام ، والزيادة في الوزن ، والتدخين وتلوث البيئة ، كلها من اسباب الأصابة بالسرطان.

طال الأنتظار اكثر ، أجلس في آخر الطابور ، فأحسست بشيء من الرهبة يتسلل الى داخلي ، فأوقعني ضحية لهواجس جديدة لم اشعر بها من قبل. هنا تذكرت كلمات الشاعر محمود درويش الذي قال: « الأنتظار موت « ، وانا اقول أن الأنتظار يعزز القلق ان لم يصل الى حد الموت. في تلك اللحظة احسست أنني بحاجة للبحث عن وردة العمر قصد النجاة ، أو أغنية لفيروز تمجد الحياة ، التي يعجز عن تدميرها هذا الصراع الضاري المعلن ضد الألم والحزن والقلق.

نعم ، انتابني هذا الأحساس الملح ، كما الحاجة الى صباح من ورد ومطر وأمل ، خصوصا بعدما حدثني جاري في قاعة الأنتظار ، وبالتفصيل الممل المخيف القاسي ، عن مكابدته الوجع اليومي ، وعن ليالي الأرق والقلق التي امضاها قبل بدء العلاج وفي مراحله الأولى ، واراد أن يسترسل ، لولا تدخل زوجته بشكل غاضب صارم طالبة منه التوقف.

في ذروة هذا المشهد التراجيدي لفت نظري كتيب صغير من منشورات مركز الحسين فقرأت فيه عبارات كتبتها الدكتورة مها أرناؤوط عن الشجاعة والصبر والأمل ، والروح التي لا تنكسر ، كلمات تشبه نشيد « الأمل « ، وهي الأسلحة التي استخدمتها في مقاومة المرض والخوف والقلق طوال الأعوام الماضية ، كتبت الدكتورة مها تحت عنوان « ما يعجز عنه السرطان « وهذا بعضه: السرطان محدود القدرة ، لا يمكنه أن يشل الحب ، أو يحطم الأمل ، أو يفسد الأيمان ، ولا يمكنه أن يقمع الذكريات ، أو يسكت الشجاعة ، أو يتغلب على العزيمة ، كما لا يمكنه أن يغزو الروح «.

هذه الأفكار والخواطر والهواجس ، راودتني وانا في حالة انتظار الى أن جاء دوري ، دخلت الى عيادة الطبيب المعالج ، صافحته وجلست قبالته ، نظر الى شاشة الكمبيوتر للحظة قصيرة ، قرأ شيئا لم اره ، تلك اللحظة شكلت فاصلا زمنيا قصيرا ما بين نظرته ونطقه لكلماته ، ولكنها كانت بمثابة الدهر ، لأنني احسست انها اطول مسافة زمنية عشتها.

فجأة نطق الطبيب بالنتائج المبشرة فانقلب الموقف ، نعم قهرته ، نظرت عبر نافذة العيادة القابعة في الطابق الثامن ، فاحسست بأنني اطير على جناحي فراشة ، ليس لأنني اخاف الموت ، فالموت حق والموت قدر ، ولكن لأنني ابجّل الحياة التي وهبها الله للآنسان بكل جمالياتها.

في ذلك الوقت ،عرفت قيمة ودور مركز الحسين في معالجة المرضى والتخفيف من اوجاعهم ومنحهم الأمل الذي يعزز ثقتهم وايمانهم ، وتساءلت وانا اخرج عبر قاعة الأنتظار: ماذا سيكون مصير هذا الحشد من المرضى ، ومعظمهم من الفقراء والمحتاجين ، لولا وجود هذا المركز المفخرة الطبية ومحط الأعتزاز.

وفي النهاية غادرت مبنى مركز الحسين الذي يستحق كل التقدير والدعم والمساندة ، وعندما عبرت بوابة الخروج تذكرت ما بدأت به وهو الشاعر محمود درويش الذي قال في قصيدة له بعنوان « فكّر بغيرك «: « وانت تعود الى البيت ، بيتك ، فكّر بغيرك ، لا تنس شعب الخيام ، وانت تنام وتحصي الكواكب ، فكّر بغيرك ، ثمة من لم يجد حيزا للمنام « وانهى قصيدته فقال :» يا ليتني شمعة في الظلام «... فكّروا بغيركم ، فكّروا بهم..