كتاب

«حرب الأنابيب».. رائحة الغاز والبارود «2»

في كل مناسبة ، تعلن الولايات المتحدة والدول الأوروبية انها تحارب الأرهاب ، وتسعى الى القضاء على «داعش « ، ولكن هذه الدول مجتمعة تسارع الى القاء طوق النجاة الى التنظيمات الأرهابية عندما يتقدم الجيش السوري ويقترب من تحقيق الحسم العسكري ، أو محاصرة داعش ودحرها !!

هذه الدول مجتمعة ، أو بعضها ، تستخدم في كل مرة بضاعتها الكاسدة ، وهي الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان وسلامة المدنيين ، وتطالب بوقف القتال واعلان هدنة لإدخال المساعدات الأنسانية للمدنيين في المناطق المحاصرة ، وهي تعرف أن المسلحين يستفيدون من هذه الهدنة والمساعدات ، التي تمنح التنظيمات المسلحة فرصة لالتقاط الأنفاس واعادة الانتشار والتموين والتسليح.

هذا الموقف الغربي المدعوم من بعض الدول الإقليمية ، يضمن استمرار الحرب في سوريا وعليها ، وهي حرب متعددة الأطراف والأهداف ، كذلك يعيق تحقيق الحل السياسي للأزمة ، من أجل تحقيق هدفين بضربة واحدة ، الأول سياسي يتمثل بتنفيذ «الصفقة الكبرى» وتصفية القضية الفلسطينية ، وانهاء الصراع العربي الإسرائيلي. أما الهدف الثاني فهو اقتصادي يتعلق بغاز الشرق الأوسط ، وهو موضوعنا اليوم.

قبل ايام قليلة ، اشرت في عجالة ، الى قضية حقول الغاز المكتشفة قبالة الساحل الشرقي للبحر المتوسط ، وقلت ان رائحة الغاز والبارود تفوح من الحرب في سوريا. الحقيقة ، أن مشكلة سوريا بدأت مع اكتشاف حقول النفط في مياهها الأقليمية ، والتي من المتوقع أن تضع سوريا في الصف الأول بين الدول المنتجة والمصدرة للغاز في المنطقة ، لأن الكميات المتوقعة للاحتياطي المخزون في الحقول المكتشفة قبالة طرطوس واللاذقية ، تبلغ اضعاف كميات الغاز الموجود في الحقول اللبنانية والحقول الإسرائيلية ( ليفيتان وتمار ).

وبمناسبة الحديث عن الغاز استطيع الجزم أن الغاز هو الوجه الآخرغير المعلن للحرب في سوريا وعليها ، كما أن لموقعها الجغرافي ايضا علاقة بهذه الحرب ، وهي «حرب الأنابيب « ، فكل الدول المنتجة للغاز في المنطقة تحتاج الى اطلالة على البحر المتوسط لتوصيل الغازالى اوروبا في مواحهة الغاز الروسي ، ولأن الجغرافيا فرضت شروطها , فيجب أن تمر هذه الأنابيب عبر الأراضي السورية حكما.

يقولون أنه عندما نتوغل في الطريق أكثر تتكشف لنا حقائق أكثر ، لذلك اعتقد أن استمرار الحرب في سوريا كشف لنا الكثير من اسبابها واهدافها واسرارها ، لذلك اعتقد أن هذا الاندفاع الروسي القوي باتجاه سوريا والمنطقة ليس مقصده المياه الدافئة فحسب ، انما الحفاظ على المصالح الروسية الاقتصادية أولا، خصوصا ما يتعلق بالغاز ، وقد تفوز روسيا بالحصة الأكبر في عمليات التنقيب في البحر السوري ،وبالتالي تمنع قيام «تحالف غاز» ضدها.

اما تحالف روسيا مع تركيا فله وجهان سياسي واقتصادي، فانقرة تجاهلت خلافاتها التاريخية مع روسيا من أجل دعم موقفها في مواجهة المشروع الأميركي الساعي الى اقامة اقليم كردي في الشمال السوري يعيق تحقيق الحلم الأمبراطوري العثماني الأردوغاني.

اما على الصعيد الاقتصادي فهناك مصالح استراتيجية مشتركة تمنع فك هذا التحالف ، واعني خط انبوب الغاز من روسيا الى تركيا « السيل التركي « لتزويد جنوب اوروبا بالغاز ، وقد يكون البديل للخط الذي يعبر الأراضي الأوكرانية. كذلك هناك اتفاق لتزويد تركيا بمفاعلات نووية روسية ، تبلغ كلفتها حوالي 21 مليار دولار.

ويجب أن لا ننسى الوجود الأميركي في سوريا ، انا لا اعتقد أن القوات الأميركية جاءت لحماية الفصائل المسلحة فحسب ، بل لتخريب الدولة السورية لمصلحة اسرائيلية ، وعدم ترك الساحة لروسيا ومصالحها الأقتصادية ، خصوصا بالنسبة للغاز والنفط فهي تريد حصتها ، ولأن واشنطن تعرف أن حقول النفط والغاز في منطقة الجزيرة السورية قيد النضوب ، قفزت الى البادية السورية حيث الأحتياطي ألأكبر من النفط والغاز في البر السوري ، لذلك اقول ان الصراع السياسي العسكري الاقتصادي في المنطقة هدفه تصفية القضية الفلسطينية واعادة صياغة مستقبل النفط والغاز في المنطقة.