كان الدكتور منذر حدادين عام 1970 قد أنهى دراسته الأكاديمية في الولايات المتحدة ومكث هناك لينفذ بعض المشاريع البحثية التي أهّله لها تفوقه العلمي في مبحث هندسة الإنشاءات، عندما وصلته برقية من حكومة وصفي التل تطلب منه للعودة للأردن لأن البلد أولى بخبرته. فهو أول حملة الدكتوراة الأردنيين في هذا التخصص الذي كان ولا يزال حيوياً للتنمية الوطنية والبنية الأساسية، وتتجدد حيويته مع تفاقم الوضع الاقتصادي والدعوات المتكررة للاعتماد الوطني على الذات.
على مدى العقود الأربعة الماضية تولى د. حدادين عدد من المهمات الوزارية التي تعطي البيروقراطية الحكومية عمقها السياسي وتترك لمن يتولاها أن يُبدع إذا كان يمتلك الجينات مع الدأب.
وقد تميز د. حدادين إلى درجة أنه أصبح من الموثوقين في تصحيح مسار المؤسسات المتعثرة وإعادة تصويب أوضاعها، كونه أيضاً قريب جداً من نبض المسؤولية الاجتماعية التي ينشأ عليها أبناء القرى والجبال.
واحدة من ميزات أبو يزن أنه يجمع العقليتين العلمية والأدبية بمروحة ثقافية واسعة جداً أثرت مخيلته المعززة بذاكرة غنية وروح نكتة عالية، مع قدرة استثنائية في التصدي للأسئلة الصعبة والحرجة، مثل «من أين نبدأ؟». وعندما يُسأل الآن «من أين نبدأ في معالجة هذا التراكم المقلق للمستجدات الصعبة، الاقتصادية والاجتماعية والإصلاحية، فإن د. حدادين لديه اجتهادات وإجابات تستحق السماع والتفاعل.
يعتقد البعض أن هناك تباطؤاً في تنفيذ الاصلاحات السياسية والاقتصادية. من أي زاوية ترون، موضوع الاصلاحات المفترضة؟ وإلى أي درجة تستشعرون القلق؟
لقد وضع الملك عبد الله الثاني سبع أوراق نقاشية، في كل واحدة منها مادة دسمة يحتاج تطبيقها إلى جيلين، لكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. وإذا كان لي من تعليق فهو وجوب أن نتأكد أن تراث مجتمعنا يتحمل تلك الخطوات. من يشكو بأننا متأخرين سياسياً، ماذا في ذهنه؟ هل يريد حكومة برلمانية؟ أقول بأن التقصير فينا. فالإصلاحات السياسية يجب أن تتوازى وتتناغم مع التقدم الاجتماعي وفهم الناس للحكم، أما أن يكون هناك خلل فهذا يضر ولا ينفع.
ومن وجهة نظري فإن أهم الإصلاحات التي يجب أن نعتمد عليها هي سيادة القانون. فلا يجب أن يكون هناك شك أو تهاون مطلقاً بغض النظر عن من هو المخالف، فلا يوجد من هو فوق القانون إلا جلالة الملك.
الأمر الثاني هو وجوب أن يكون هناك إلمام تكنولوجي وتكنوقراطي أيضاً. نريد أن يكون لدينا أناس تقرأ الكلام غير الواضح، وأشخاص يعرفون قدراتهم ويعملون ضمن حدودها. أما أن يتحمل الشعب ما ليس بقدرته فهذا عدم مسؤولية، وسنجد أن أحلامنا وطموحاتنا كشعب تفوق قدراتنا، و أننا نعيش بمستويات أكثر من إمكاناتنا. وعندما يتم تحجيم تلك الإمكانات إلى حدودها الحقيقية سنجد بأن المشاكل يتم تحجيمها.
لقد عشنا بقدرة شرائية كبيرة عند الناس لم تكن موجودة في السابق. فالقدرة الشرائية وحركة الاقتصاد جاءتنا من مساعدات أجنبية تسد الكثير من عجز الموازنة. لكن إذا توقفت المساعدات فمن أين سنأتي بالقدرة الانفاقية العالية؟ يجب أن نعتمد على أنفسنا. هذه إصلاحات بديهية تبدأ من ناحية الاستهلاك. لا يجوز أن ندعم الاستهلاك، هناك فقر يجب أن نعالجه بالعمل، وبالانتاج وليس بالحسنة.
دخلنا عهد اللامركزية: لكن المواطن العادي لم يستشعر النقلة التي كان يفترض ان تكون كبيرة وملموسة، لماذا؟
هذا التحول بحاجة إلى وقت حتى يثمر وتبدأ مجالس المحافظات تؤدي ما عليها من واجب. وأيضاً النظام الحكومي غير المنتخب يجب أن يتعود بأن هؤلاء المنتخبين في اللامركزية أصبح لديهم الصلاحيات التي كانت تمارسها البيروقراطية الحكومية. فالآن تأتي أجيال قادرة أن تتدرب على المسؤولية. صحيح أن هناك من لديهم الخبرة، لكن هناك أيضاً من الكفاءات تتسلم المسؤولية الأكبر، وهذا يحتاج إلى وقت، وإلى تجربة وخطأ وتعديل الأخطاء وأن تتعود عليها الناس وكذلك الحكومة أيضا.
من واقع خبرتكم كوزير سابق للمياه والري، نسأل عن قضية مزمنة وهي لماذا لم تستطع المملكة بكل ما اجتهدت به الوزارات المتعاقبة أن تنجز حلولا استراتيجية للفقر المائي المثير للقلق المتوارث؟
المشكلة تكمن أولا بالسكان المستهلكين، والأمر الثاني في تجاوز الجوار على مياه الأردن، وأقصد هنا سوريا، ومن قبل كانت إسرائيل.
نحن الآن 10 ملايين نسمة، أي أربعة أضعاف المتوقع. الأمر الآخر يتعلق بحجم الطلب . كان نهر اليرموك وما زال بمعدل 506 ملايين متر مكعب في السنة، منها 14 مليونا في التبخر ويبقى 492 مليون متر مكعب نصيبنا منها 296 مليون متر مكعب في السنة، لكن يأتينا حوالي 100 مليون متر مكعب، والباقي في سوريا.
لقد حاولت كوزير مياه كما حاول من كانوا قبلي ومن جاءوا بعدي اقناع الشقيقة سوريا بأن نتقاسم هذا الأمر، بحيث تأخذ كل بلد حصتها، حسب الاتفاقيات بيننا، لكنهم كسروا أول اتفاقية أبرمت في عام 1953 في عهد أديب الشيشكلي، وكسروا ايضا اتفاقية عام 1967 فخفت مواردنا.
سكان سوريا وإسرائيل وسكان الأردن زادوا، والمياه التي كانت تكفي لثلاثين مليونا، على سبيل المثال أصبحت الآن مخصصة لستين مليونا.
السبب الآخر هو اننا ولغاية الأربعينيات كان معظم سكان الأردن يعتمد على آبار الجمع، وعندما يتم الاعتماد على آبار الجمع وتأتي بها للاستهلاك في المنزل فأنت حريص جداً على كل قطرة تستعملها. هذا الحرص لم يعد لآن أسعار المياه لم تكن توازي كلفتها. دائماً تكون مدعومة من الخزينة، وهذه هي المشكلة الأولى.
المشكلة الثانية أننا كنا نعيش على الجبال، ونقوم ببناء بيوتنا عليها وهي غير صالحة للزراعة، والشاهد واضح. لكن توسعت الناس ليس توسعاً طبيعياً بل فجائياً، فأصبحنا نبني في الأرض التي كنا نستغلها للزراعة. والزراعة المقصود بها التربة والمياه، فأصبح هناك غزو سكاني للمناطق الزراعية التي ننتج منها غذاء، فأصبحنا بحاجة للمياه والغذاء. مع الهجوم السكاني وموجات الهجرة المتقاربة ازداد الطلب بشكل كبير، فاضطررنا البحث عن موارد مياه بعيدة، وزادت كلفة التشغيل وبناء المواسير ومحطات الضخ، فلم تستطع الناس أن تدفع، فكان دعم الخزينة، ما سبب لدينا الاشكالات.
عندما جئت وزيرا للمياه وجدت بأن سلطة المياه مدينة للخزينة بـ350 مليون دينار، وقمنا بشطبها، فالخزينة تمول المياه لهذا السبب. إذن كنا بمشكلة وأصبحنا بأربع مشاكل متشابكة مع بعضها وتجعل الحلول صعبة.
الآفاق واضحة من حيث إيجاد موارد للمستقبل، لكن رأس مالها واساسها هو زيادة دخل العائلات، حتى تستطيع دفع أثمان المياه.
الدكتور منذر حدادين حجة في الشعر والرواية والثقافة، الموروثة والحديثة. كيف ترون المدخل لاعطاء الحياة الثقافية في الأردن والأجيال الجديدة ما تستحقه من رعاية غائبة عن البرامج الحكومية؟ فالأمية الثقافية تتفاقم مع توسع التكنولوجيا والثقافة والإعلام الرقمي؟
عندما أعود بالذاكرة إلى عام 1982 بمعية الملك الحسين وبمعيته الأمير الحسن ورئيس الوزراء لافتتاح مشاريع الأغوار، دخلنا على مدرسة في الشونة الشمالية، وكنا قد جئنا بأثاثها من لندن، مع مختبرات مكتملة. جلالته سرّ كثيراً عندما رآها. بعد انتهاء جولتنا، ونحن في السيارة، وجه الحسين سؤاله لي قائلا: متى يمكننا البدء مع هؤلاء الطلبة لتكون لديهم قدرة التعلم على الكمبيوتر؟.
الآمال تحققت حتى أصبح الكمبيوتر في متناول أيدي الجميع، وأجهزة الاتصالات ذات التكنولوجيا العالية، تتطور يوما بعد يوم، وهي نعمة كبيرة، لكنها نقمة في الوقت ذاته. فنحن أمة اذا نحافظ على تراثنا بوعي كامل، سنفقد هويتنا التي تساعد على تشكيل التاريخ بدرجة عالية... أمتنا أمة عظيمة، والأمم العظيمة هي التي لها ذاكرة، والتراث ذاكرتنا كأمة ، مثلما هو سيرتها الماثلة التي لا تقبل التشكيك.
نحن نريد من الثقافة كل هذا، نريد الحداثة والتطور، وليس من الصعب ان نتواءم مع تقدم العصر دون ان نخسر هويتنا، وليس صعبا أبدا أن تكون ثقافتنا متماشية مع احتياجاتنا الآنية والمستقبلية، دون ان نتخلى عن تراثنا الذي تعتز به ونفتخر ويجعلنا جديرين باحترام أنفسنا واحترام العالم لنا.
استراحة
أبو يزن من مواليد ماعين 1940 يقول: درست سنة تمهيدي في ماعين، في عمان في المدرسة العبدلية الأولية للصف الخامس، ومن ثم إلى كلية الحسين في الصف السادس، إلى مدرسة رغدان، إلى كلية الحسين ثانية من الثاني ثانوي إلى الخامس ثانوي وهو المترك، وكنت الأول على الضفة الشرقية، والخامس على المملكة. بعدها ذهبت إلى بغداد لأتعلم هندسة، وكان اسمها المملكة العراقية، لكن طردوني في آذار عام 1959، لأنني لم أكن أحب الشيوعية، كنت قومياً مع أنني لم أكن حزبياً أبداً.
وعندما خرجت من بغداد قبلت مع زملاء لي في جامعة الاسكندرية فأكملت تخصص الهندسة، وتخرجت عام 1963، ولدى عودتي إلى الأردن عملت في أمانة العاصمة لمدة شهر ونصف الشهر، ثم ذهبت مع مجموعة مهندسين أردنيين إلى السعودية، واشتغلت لمدة سنتين راسلت خلالهما الجامعات الأمريكية، وقبلت في جامعة واشنطن وحصلت على درجة الماجستير في الهندسة المدنية والدكتوراة في هندسة الإنشاءات على حسابي الخاص، حيث كنت مجتهدا كثيراً. وبناء على علاماتي الممتازة وفي شيكاغو، حيث مركز البحوث في الهندسة المدنية والخرسانة اشتغلت عامين ونشرت بحثين، وبعد نشر البحثين جاءتني برقية في عام 1970، من وصفي التل يطلب فيها قدومي للأردن عاجلاً، فعدت ليخبرني بأن الأردن بحاجة لي، حيث أن في أميركا كثيرون مثل تخصصي، لكن لا يوجد في الأردن ولا شخص يحمل شهادة الدكتوراة في الهندسة.
ذهبت إلى وزارة الأشغال، واشتغلت مع منيب المصري الذي كان وزيرا ، بعدها طلبني الأمير الحسن للعمل في الجمعية العلمية الملكية، وكانت تحت التأسيس، وبعد عامين تم نقلي فقدمت استقالتي، التي رفضها الأمير الحسن ونقلت إلى هيئة وادي الأردن، وبسبب تعليم ابنتي التي رغبت بالدراسة في اميركا قدمت استقالتي، للعمل خارج الأردن لدفع تكاليف دراستها، فعملت في اعمال مؤقتة لصالح البنك الدولي، الأمم المتحدة، منظمة الأغذية للزراعة الدولية، وأمضيت في هذه المنظمات حوالي 10 سنوات. وبعد ذلك طُلب مني الاشتراك في مفاوضات السلام وبقيت فيها أكثر من ثلاث سنوات ، وفي نفس الوقت أحصل على عمل أقوم به لنفسي، ثم عدت للقطاع الخاص في الأردن وفي عام 1997 تم تعييني وزيرا لأول مرة.
د. منذر حدادين: خبرة إنشائية تتقن إعادة هندسة الأولويات العامة
12:00 5-2-2018
آخر تعديل :
الاثنين