في الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي فاضت روح الفقيد الكبير الحمود الى بارئها راضية مرضية..ولئن كنت لم احظ بمعرفته او مقابلته في حياته، فانه ليسعدني القول بانني قد عرفته بعد مماته.. وأي معرفة تلك التي كانت معرفة لرجل اردني حر غيور... وعصامي تمرد على قسوة الحياة منذ نعومة اظفاره.. وارستقراطي مخضرم في المنهج والسمات.. وفي الهوى والمبتغى.. وبغياب الحمود الذي خرج من الحياة جسدا.. فقد الاردن الحبيب رجلا ذا عقل نير وكبير وقلب واسع ورمز من رموز حياتنا ونموذجا من النماذج النادرة للرجل المكافح وسط امواج حياة مضطربة.. كيف لا وهو الذي لم يكن يعرف الكلل أو الملل.. وهو الذي لم يبخل على من حوله نصحا وتوجيها وارشادا.. ولم يدخر خبرته ومعرفته ومشاهداته لنفسه، ولم يحجبها عن الاخرين.. فها هي اوراقه التي خطها بيمينه مازالت وستبقى خير شاهد على حقبة مهمة وحبلى بالاحداث.. فهي القول الفصل والموثق لحظة بلحظة عن بعض قصص وحكايات وبطولات جيشنا العربي وجنوده الصناديد الذين كانت لهم صولات وجولات–وهو منهم- في مقارعة العدوان والذود عن حمى الامة وارض فلسطين والقدس الشريف.. صفات كثيرة اجتمعت في شخص الراحل محمد الحمود.. تجعل أي انسان يحملها كبيرا وعظيما. فاذا كان الموت حق فان البقاء من خلال الاعمال الجليلة هو نصيب الكبار امثاله الذين تركوا بصماتهم في سجل الذكر المجيد.. ان رجلا هذا سجله لا تمحى صورته من اذهان محبيه وعارفيه وقارئي سيرته بل انه مستمر بقدر ما يظل مثله حيا في محيطه.. خصوصا في هذه الظروف المصيرية حيث يحتاج الوطن الى التمسك بالثوابت في هذا العالم المتغير.. وبالقواعد والاسس التي انطلق منها فقيدنا الكبير وسار على هديها مدى عمره الحافل الذي كان فيه وفيا لوطنه ولعائلته ولعمله على أكمل مايكون الوفاء..