سيكولوجية التوظيف ونمطية الاستهلاك
11:00 22-1-2018
آخر تعديل :
الاثنين
في مراقبة دقيقة للنظرة الى الوظيفة وكذلك في تتبع النمط الاستهلاكي وتطوره يلاحظ ان هناك حالة من ازدياد منسوب التوجه نحو العمل الحر والعزوف عن الوظيفة كلما كان ذلك ممكنا، اي ان من يملك الحد الادنى من امكانية التخلي عن الوظيفة فتراه لا يتردد في ان يدخل مضمار العمل الحر كلما استطاع الى ذلك سبيلا، اي بمعنى آخر ان خط الاتجاه العام للنفسية المجتمعية تجاه التعلق بالوظيفة يقل تدريجيا مع مرور الوقت، وهو وان كان يقل ببطء شديد الا ان مساره دون شك آيل الى التراجع وان الذي يعيق من ازدياد سرعة هذا التراجع هو عدم توفر القدرة على الدخول في مضمار العمل الحر وعدم توفر وسائل التمويل الحقيقية من الجهاز المصرفي على غرار رأس المال المغامر أو بنك الفقراء أو التسهيلات المحدودة ذلك ان توفر أدوات التمويل الضرورية في هذا الشأن يسرع من تجذير ثقافة المبادرات الفردية والعمل الحر وبالتالي يقلل من منسوب الاعتماد على الوظيفة الامر الذي لا بد وان يؤول في النهاية ليس فقط الى تخفيض معدلات البطالة بل والى زيادة الانتاج والانتاجية وبالتالي تزايد معدلات نمو الناتج الاجمالي.
والملاحظة المهمة الاخرى ضمن هذا السياق هي نمطية الاستهلاك السائدة، فرصة هذه النمطية للسنوات الأخيرة وخاصة مع تراجع الدعم يعكس ملاحظة مهمة مفادها ان حالة الاختلال الصارخ في نمطية الاستهلاك غير المنسجمة مع القدرات والامكانات والدخل والتي أدت في فترة التسعينات من العقد المنصرم الى ان يصل حجم الاستهلاك الكلي حوالي (135%) من الناتج المحلي الاجمالي اي اننا كنا نستهلك كل الدخل مضافا اليه ثلث هذا الدخل ايضا، اي بمعنى ان هناك ظاهرة اختلال كبيرة كانت تصل الى ما يسمى بالادخار السالب الذي يصل الى حوالي ثلث الناتج المحلي الاجمالي، هذه الظاهرة قد انتهت في الواقع وانه بعد مرور اكثر من عقدين من الزمن وعدة برامج اصلاح اقتصادية وكذلك ما فرضته الظروف والمعطيات والمستجدات محليا واقليميا وحتى دوليا، نقول ان جملة هذه العوامل مضافا اليها ارتفاع منسوب الوعي لدى المواطن ادت جميعها الى ان تتظاهر وتتكامل وان تتخلص من مساحة لا بأس بها من التشوهات في انماط الاستهلاك بحيث يمكن القول ان نمطية الاستهلاكية السائدة باتت اقرب الى حدود موازنة الفرد وقدراته وامكاناته، وهذا في حد ذاته ايضا تطور ايجابي هام يشكل حاضنة لثقافة مهمة اكثر موضوعية وقادرة على ان تصل الى نقطة يكون معها النمط الاستهلاكي منسجما مع القدرات والامكانات، ولا يخفى مالهذا الامر من ايقاف للهدر في الموارد ومن زيادة القدرة على الادخار وعلى توفير مبالغ أكبر للاستثمار.
ومن هنا فان قدرات الاقتصاد الوطني في جوهرها لا تحددها فقط معدلات النمو بل هناك من مواطن القوة التي باتت تلازم السيكولوجية المجتمعية وبالتالي ثقافة الاقتصاد والعمل ما يجعل من معدلات النمو جزءا من حقيقة الاداء وليس الحقيقة كاملة.