بخطى الملك الواثق مضت الأحداث منذ إعلان الرئيس الأميركي ترمب بخصوص القدس. حيرة اكتنفت الأجواء، وأسئلة ما انفك كل مهتم من طرحها خصوصاً حول موقف الأردن ممثلاً بجلالة الملك ومستقبل العلاقات الأردنية الأميركية. بعد شهر ونصف تقريبا من الإعلان الذي شكّل زوبعة سياسية أثّرت على وضوح الرؤيا السياسية في المنطقة، بدأ هذا الغبار بالعودة للأرض لتظهر ملامح جديدة للمستقبل القريب.
تسارعت الأحداث السياسية على المستوى الأردني من لحظة إعلان مفاجئ على لسان الناطق الرسمي بإسم الحكومة بخصوص إعتذار إسرائيل وندمها الشديد بخصوص حوادث الشهداء الثلاثة رحمهم الله. إنتصار دبلوماسي لم يرد بعض العابثين تصديقه فذهبوا يبحثون عن أي تفنيد من الجانب الإسرائيلي لأي جزئية من الإعلان الأردني الرسمي وهو ما لم يحصلوا عليه بالطبع. بهذا سجّل الإنجاز الدبلوماسي وما هي إلّا أيام قليلة حتّى حطّت طائرة نائب الرئيس الأميركي مايك بينس في القاهرة ومن ثم عمّان ومن بعدها لإسرائيل. وكأن لسان حال الأردن قال للولايات المتحدة: أنت صديقي والحقّ صديقي، فإن إختلفتما فأنا مع الحق! كلام الملك بالفعل أبهر الجميع في إجتماع جلس فيه وجهاً لوجه مع نائب الرئيس الأميركي لينظر بعينيه ويخبره أن القرار كان خاطئاً، وأنه لا يخدم مصلحة المنطقة، مؤكدّاً كما أكّد بنس نفسه على عمق العلاقة الأردنية الأميركية وأهميتّها الإستراتيجية لمصالح الطرفين والمنطقة. من يدري في السياسة يعلم أن هذا النوع من الصراحة ليس متعارفاً عليه خصوصاً أمام عدسات الإعلام التي كانت حاضرة للقاء وبكثافة. ويعلم المطلع أيضاً مدى صعوبة أن تدير حواراً صريحاً جدّاً بوديّة. خير وصف للمحادثة الثنائية هو ما صدر على لسان نائب الرئيس الأميركي بعد الإجتماع بقوله «صريحة لكن وديّة»، و»الأصدقاء قد يختلفون أحياناً». من المعروف جدّاً أن الصراحة المطلقة والدبلوماسية لا يلتقيان، وإن التقيا فيكون اللقاء جزئيا، لكن ما حصل في الإجتماع فنّد هذه القاعدة وأثبت أن للصراحة موقعاً في الدبلوماسية، لكنّها تتطلب دبلوماسياً يقدر عليها. انتهى الإجتماع، والنتائج إيجابية للطرفين بفضل مهارة إستثنائية بإتقان الحديث الدبلوماسي. فمن الواضح أن ما يجمع أكثر مما يفرّق، وللزيارة هدف استراتيجي واضح بإعادة المياه لمجاريها فيما يخصّ علاقات ومصالح الولايات المتحدّة في المنطقة، وهو ما سار بالإتجاه الصحي مع الأردن الذي أيّد أهمية العلاقة ولكنّه لم يتراجع عن موقفه بخصوص إعلان القدس عاصمة لإسرائيل.
استمراراً لمواقف أردنية مشرّفة تسجّل هذه المواقف الدبلوماسية لجلالة الملك، وأهم ما يلفت الإنتباه أيضاً أن ما قاله الملك عن موقفه وموقف الأردن بخصوص القدس في جلساته واجتماعاته المحلية الأخيرة هو ما قيل بالتفصيل في إجتماعه مع بينس، وهذه أيضاً سمة فريدة لا تجدها عند السياسيين وصانعي القرار وهي الصراحة مع الداخل. علينا أن نثمّن هذه الصراحة الداخلية والخارجية فهي من أبقت لنا شأناً في وقت تخلّى عن دوره الكثير.